وقد اختلفت مناحي انتقادات الناس للصوفية ، فمنهم من انتقدهم في عقيدتهم ، وعاب عليهم اتخاذ عقائد تباين الإسلام ، أو تبدو غريبة عنه ، مثل قولهم بالحلول ووحدة الوجود وغير ذلك من معتقداتهم ولذلك قال فيهم الطاهر الجزري « 1 » وهو من مدّاح البويهيين :
أرى جيل التّصوّف شرّ جيل * فقل لهم وأهون بالحلول
أقال اللّه حين عشقتموه * كلوا أكل البهائم وارقصوا لي « 2 »
فإلى جانب ما أخذه عليهم في عقيدتهم ، هاجم طريقتهم في الحياة ، فانتقد إقبالهم على الولائم وإفراطهم في الأكل ، ورقصهم في مجالس الذكر ، والذي اتّخذ وسيلة للتعبير عن انفعالاتهم الروحية ، وطريقا للصفاء والاستغراق في الوجد .
ومثل ذلك ما قاله فيهم يعقوب بن صابر المنجنيقي « 3 » ، الذي ساءه لباسهم القصير وميلهم إلى شرب العصير :
قد لبسوا الصّوف لترك الصّفا * مشايخ العصر لشرب العصير
وقصّروا للعشق أثوابهم * شرّ طويل تحت ذيل قصير « 4 »
ويظهر أن طريقة المتصوفة في لبسهم وعاداتهم في الطعام والشراب ، وانحراف بعضهم عن جادة الصواب تحت ستار التصوف ، قد نبّهت الناس إلى ما ينطوي عليه التصوف ، إذا ابتعد عن جوهره ، من مخاطر على العقيدة والمجتمع ، وخاصة حين يتخذ
هامش
( 1 ) الطاهر الجزري : سدّاد بن إبراهيم ، شاعر مدح المهلبي وزير معز الدولة ، ومدح عضد الدولة ، توفي حوالي ( 400 ه ) ، ابن شاكر : فوات الوفيات 2 / 163 .
( 2 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 15 / 124 .
( 3 ) المنجنيقي : يعقوب بن صابر بن بركات : شاعر كان متفوقا في صناعة المنجنيق ، مغرى بالسلاح وصناعته ، وألّف في ذلك ، توفي ببغداد سنة ( 626 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 120 .
( 4 ) ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 4 / 120 .