تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مائة صورة مشرقة من حياة المصطفى ( ص ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ( أي أمر بالابار فطمست ودفنت ) ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه ، فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الانية . فما بدأت الحرب بعد حتى تقدم سعد بن معاذ بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قائلا : يا نبي اللّه ؛ ألا نبني لك عريشا ( والعريش شبه الخيمة يستظل به ) تكون فيه ، ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقي عدونا ، فان أعزنا اللّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا . فقد تخلّف عنك أقوام . يا نبي اللّه ؛ ما نحن بأشدّ لك حبّا منهم ، ولو ظنوا انك تلقي حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك اللّه بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك . فأثنى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم خيرا ، ودعا له بخير ، ثم بني لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم عريش ، فكان فيه . « 1 » وهنا وقفة يجب أن نتأمّل فيها هذا السلوك الرسالي . إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم يمتنع عن سماع آراء الآخرين ، وما عندهم من اقتراحات تخصّ تطوير العمل الرسالي ، بالرغم من أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يمثّل قمّة العلم ، وقمّة التطلّع ، وقمّة الحضارة ، لأنه صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم يبخس الناس أشياءهم . ونتيجة لاهتمام الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم بما قدّم له من مشورة واقتراحات تفجّرت في المسلمين طاقاتهم الكامنة ، وتفتّحت افاقهم في رحاب الابداع والتطوير . ولعلّ هذا الأسلوب ساهم بشكل فعال في تقدّم الأمة الإسلامية نحو الأمام . من هنا يجب أن نستلهم هذه البصيرة ؛ ان قتل فكرة الآخرين في مهدها ، ووأد اقتراحاتهم ومشورتهم ، لا ريب يقودنا نحو الاستبداد ، وبالتالي نحو التخلّف
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام / ج 2 / ص 620 - 621 .