ثم انطلقت إلى المسجد ، وقد ذهب عامة النهار ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قاعد في المسجد واحده . فسلّمت عليه .
فقال لي : ما فعل ما قبلك ؟
قلت : قد قضى اللّه كل شيء كان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، فلم يبق شيء .
قال : فضل شيء ؟
قلت : نعم ؛ ديناران .
قال : أنظر أن تريحني منهما ، فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما .
فلم يأتنا أحد ، فبات في المسجد حتى أصبح ، وظل في المسجد اليوم الثاني حتى إذا كان في اخر النهار جاء راكبان ، فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما ، حتى إذا صلّى العتمة دعاني فقال : ما فعل الذي قبلك ؟
قلت : قد أراحك اللّه منه .
فكبر وحمد اللّه شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك . « 1 »
ثمة وقفة هنا تهدينا إلى أن العطاء دليل الإيمان . إذ ان المؤمن كثير الإنفاق دون ان يخاف فقرا ، لأنه لا يخشى من ذي العرش إقلالا . بعكس ضعيف الإيمان تراه لا يجرؤ أن ينفق شيئا خشية العوز والحرمان .
وبلا أدنى شك ، ان خير قدوة لنا في العطاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم إذ كان يسعى للعطاء إلى حد كان يستقرض من أجل قضاء حوائج المحتاجين . علاوة على ذلك ، حينما تصله العطايا لم يدخرها ، وانما يسارع في إيصالها إلى من يحتاجها .
روحية العطاء الزاخر هذه هي التي جعلت النفوس تمتلئ إيمانا ، وتشق
هامش
( 1 ) أبو فداء الحافظ ابن كثير الدمشقي / البداية والنهاية / ج 6 .