أبو بكر - كما كلّفه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - يقيم للناس المناسك ، وعليّ يؤذن في الناس بما أمر به ، ويقرأ على العرب صدر السورة التي فصلت في أمرهم ، وأجهزت على الوثنية في بلادهم .
وكان هناك مؤذّنون آخرون بثّهم أبو بكر في المجامع الكبيرة ، يعينون عليا على إبلاغ رسالته ، ويصيحون هنا وهناك : لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .
وعن زيد بن يثيع : سألنا عليا : بأيّ شيء بعثت في الحجة ؟ قال : بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع مسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا ، ومن كان بينه وبين النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عهد فعهده إلى مدّته ، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر « 1 » .
وقد تكلّمنا في موضع اخر عن مكانة المعاهدات في الإسلام « 2 » ، وشرحنا ما تضمنه صدر سورة التوبة من أحكام .
وليعلم من يشاء أنّ تشريع قانون بمحو الوثنية كتشريع قانون بمحو الأمية عمل إنساني نبيل ، وأن اعتراضا عليه لا يصدر من رجل يؤثر الخير للأمم ، ويتمنّى لها السمو والكرامة ! .
وبحسب الإسلام أنّه ظلّ اثنين وعشرين عاما يحارب الخرافة بالتعليم والتربية كلّما أتيحت له فرص لنشر المعرفة وغرس الأدب ، وبالقصاص والقتال كلّما وقف في طريقه الجهّال والضلّال يبطلون سعيه أو يصدّون عنه .
وقد منح الإسلام الوثنية أول الأمر حق الحياة ، وترك من يرتد عنه يرجع إليها إذا شاء ، ولم يفعل ذلك إعزازا لها ، إنما هو حسن ظنّ بعقل الإنسان وضميره . . .
فقلّ من يسفهون أنفسهم ، ويتركون اللّه العظيم إلى صورة من حجر أو خشب أو طعام .
فلمّا تبين أن الوثنيين يستخفون بكل شيء ، وأنهم يستغلون الحق الممنوح لهم في الفتنة والعدوان والقتل . . . لم يبق لتركهم من حكمة .
هامش
( 1 ) صحيح ، أخرجه أحمد ، رقم ( 594 ) ؛ والترمذي : 4 / 116 ، وصحّحه .
( 2 ) في كتابنا ( تأملات في الدين والحياة ) .