العبر والعظات :
كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، في مكة ، فتنة الإيذاء والتعذيب وما يرونه من المشركين من ألوان الهزء والسخرية . فلما أذن لهم الرسول بالهجرة ، أصبحت فتنتهم في ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم .
ولقد كانوا أوفياء لدينهم مخلصين لربهم ، أمام الفتنة الأولى والثانية . قابلوا المحن والشدائد بصبر ثابت وعزم عنيد . حتى إذا أشار لهم الرسول بالهجرة إلى المدينة ، توجهوا إليها وقد تركوا من ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونشب ، ذلك أنهم خرجوا مستخفين متسللين .
ولا يتم ذلك إلا إذا تخلصوا من الأمتعة والأثقال ، فتركوا كل ذلك في مكة ليسلم لهم الدين ، واستعاضوا عنه بالإخوة الذين ينتظرونهم في المدينة ليؤووهم وينصروهم .
وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذي أخلص الدين للّه ، لا يبالي بالوطن ولا بالمال والنشب في سبيل أن يسلم له دينه .
هذا عن أصحاب رسول اللّه في مكة .
أما أهل المدينة الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم ونصروهم ، فقد قدّموا المثل الصادق للأخوة الإسلامية والمحبة في اللّه عز وجل .
وأنت خبير أن اللّه عز وجل قد جعل أخوة الدين أقوى من أخوة النسب وحدها ، ولذلك كان الميراث في صدر الإسلام على أساس وشيجة الدين ، وأخوته والهجرة في سبيله .
ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد أن تكامل الإسلام في المدينة ، وصارت للمسلمين دار إسلام قوية منيعة .
يقول اللّه عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ، أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا
[ الأنفال 8 / 72 ] .
ثم إنه يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان :
1 - وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام . روى القرطبي عن ابن العربي : « أن هذه الهجرة كانت فرضا في أيام النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة . والتي انقطعت بالفتح ، إنما هي القصد إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن بقي في دار الحرب عصى » « 49 » . ومثل دار الحرب في ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان ، وغير ذلك من أحكامه الظاهرة .
هامش
( 49 ) تفسير القرطبي : 5 / 350