تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢

هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم

جاء في صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين إلى المدينة ، جاء يستأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الآخر في الهجرة . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي » فقال أبو بكر : « وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ » قال : « نعم » . فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ، وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر « 52 » . وفي هذه الأثناء رأت قريش أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، فحذروا خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم . فاجتمعوا له في دار الندوة ( وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها ) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاجتمع رأيهم أخيرا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا ، ثم يعطى كل منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ، كي لا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعا ، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل عليه السلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمره بالهجرة ، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة « 53 » . قالت عائشة فيما يروي البخاري : « فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر : « هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم متقنعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها » . فقال أبو بكر : « فدا له أبي وأمي . واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر » ، قالت : فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأبي بكر : « أخرج من عندك » ، فقال أبو بكر : « إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه » . قال : « فإني قد أذن لي في الخروج » ، فقال أبو بكر : « فخذ بأبي أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتيّ » ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « بالثمن » . قالت عائشة : فجهزناهما أحثّ الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فبذلك سميت ذات النطاق « 54 » . وانطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما
هامش
( 52 ) البخاري : 4 / 255 ( 53 ) سيرة ابن هشام : 1 / 155 وطبقات ابن سعد : 212 ( 54 ) في طبقات ابن سعد : أنها شقت نطاقها فأوكأت بقطعة منه الجراب ، وشدت فم الجراب بالباقي فسميت ذات النطاقين .