يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه فمن قال لا إله إلا اللّه عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللّه » « 43 » .
ومن هنا تعلم أنه لا معنى لتقسيم الجهاد في سبيل اللّه إلى حرب دفاعية وأخرى هجومية إذ مناط شرعة الجهاد ليس الدفاع لذاته ولا الهجوم لذاته ، إنما مناطه الحاجة إلى إقامة المجتمع الإسلامي بكل ما يتطلبه من النظم والمبادئ الإسلامية ، ولا عبرة بعد ذلك بكونه جاء هجوما أو دفاعا .
أما القتال الدفاعي المشروع ، كدفاع المسلم عن ماله أو عرضه أو أرضه أو حياته ، فذلك نوع آخر من القتال لا علاقة له بالجهاد المصطلح عليه في الفقه الإسلامي ، وهو ما يسمى بقتال الصائل ، وقد أفرد له الفقهاء بابا مستقلا في كتب الفقه وما أكثر ما يخلط الباحثون اليوم بينه وبين الجهاد الذي نتحدث فيه ! . .
هذه خلاصة معنى الجهاد وغايته في الشريعة الإسلامية .
أما المغالطات والتشويهات التي دست عليه ، فتتمثل في نظريتين متناقضتين في الظاهر ، ولكنهما منسجمتان في باطن الأمر وحقيقته ، إذ يتكون من كليهما وسيلة واحدة متسعة تهدف إلى إلغاء مشروعية الجهاد من أساسه .
أما النظرية الأولى ، فهي تلك التي تنادي بأن الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه سلكوا مسلك الإكراه ، فكان الفتح الإسلامي على أيديهم فتح قهر وبطش لا فتح قناعة وفكر « 44 » .
وأما النظرية الثانية ، فهي تلك التي تهتف بعكس ذلك تماما ، أي أنه دين سلام ومحبّة ، لا يشرع الجهاد فيه إلا لرد العدوان المداهم ، ولا يحارب أهله إلا إذا أرغموا على ذلك وبودئوا به .
وعلى الرغم من أن هاتين النظريتين متناقضتان كما ذكرنا ، فإن أرباب الغزو الفكري أرادوا أن يستولدوا منهما غاية معيّنة ، هي وحدها المقصودة من كلا هاتين الأطروحتين . وإليك إيضاح ذلك :
لقد أشاعوا وروجوا أولا أن الإسلام دين بطش وحقد على الآخرين . ثم انتظروا إلى أن آتت هذه الشائعة ثمارها من ردود الفعل لدى المسلمين وإنكار هذا الظلم في حق الإسلام . .
. . وبينما المسلمون يلتمسون الرد على هذا الباطل ، قام من أولئك المشككين أنفسهم من اصطنع الدفاع عن الإسلام بعد طول علم وبحث متجردين ، وراح يردّ هذه التهمة قائلا : « إن
هامش
( 43 ) متفق عليه .
( 44 ) اقرأ هذه النظرية لفان فلوتن مثلا في كتابه : السيادة العربية من ص 5 فما بعد . ط . النهضة المصرية .