قال عبادة بن الصامت : « بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيعة الحرب ، على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول الحق أينما كنا ، لا نخاف في اللّه لومة لائم » .
وكانت أول آية نزلت في الإذن بالحرب للرسول صلّى اللّه عليه وسلم قوله تبارك وتعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ، وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
« 41 » [ الحج 22 / 39 ، 40 ] .
العبر والعظات :
هذه البيعة الثانية تتفق في جوهرها مع بيعة العقبة الأولى . فكل منهما إعلان عن الدخول في الإسلام أمام رسول اللّه ، وأخذ للمواثيق والعهود على السمع والطاعة والإخلاص لدين اللّه ، والانصياع لأوامر رسوله .
إلا أننا نلحظ فارقين مهمين جديرين بالملاحظة والدرس ، بين كل من بيعة العقبة الأولى ، وبيعة العقبة الثانية .
الفارق الأول : أن عدد المبايعين من أهل المدينة في المرة الأولى كان اثنى عشر أما عددهم في البيعة الثانية فقد كان بضعة وسبعين بينهم امرأتان .
فقد عاد أولئك الاثنا عشر في السنة الأولى - ومعهم مصعب بن عمير - لا لينطوي كل على نفسه وينعزل في بيته ، بلى ليبشر بالإسلام كل من كان حوله من رجال ونساء ، يتلو عليهم قرآنه ويبين لهم أحكامه ونظامه . فمن أجل ذلك انتشر الإسلام تلك السنة في المدينة انتشارا عظيما حتى لم يبق دار إلا دخلها الإسلام ، وأصبح حديث أهلها في عامة الأوقات عن الإسلام وخصائصه وأحكامه .
وتلك هي وظيفة المسلم في كل عهد وفي كل مكان .
الفارق الثاني : أن البنود المنصوص عليها في البيعة الأولى ، خالية عن الإشارة إلى الجهاد بالقوة ، ولكنها في البيعة الثانية تضمنت الإشارة بل التصريح بضرورة الجهاد والدفاع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والدعوة إلى دينه بكل وسيلة .
وسبب هذا الفارق أن أرباب البيعة الأولى انصرفوا وهم على موعد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المكان ذاته في الموسم التالي ، ليعودوا إليه بعدد أوفر من المسلمين ويجددوا العهد والمبايعة ، فلم يكن
هامش
( 41 ) سيرة ابن هشام ، ومسند الإمام أحمد ، والطبري ، والعمدة في كل ذلك على ابن إسحاق عن معبد بن كعب بن مالك .