تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣

يوم الوفاة النبوية

هو يوم مشهود في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل في حياة البشرية ، تباينت فيه الأتراح والأفراح تباينا عظيما ، لم يعرف لها مثيل من قبل ، حزن فيه أهل الأرض - من المسلمين - حزنا شديدا كاد يذهب عقولهم ويقطع نياط قلوبهم ، وفرح فيه أهل السماء فرحا شديدا ، حزن فيه أهل الأرض لحرمانهم من رؤية وجه أحب وأعز الخلق إليهم ، الذي طالما افتدوه بالمال والأهل والنفس ، وآثروه على كل غال ونفيس ، فهاهم قد حرموا الذي علمهم وهداهم ونصحهم ودلهم على كل خير ونهاهم عن كل شر ، حزن أهل الأرض لانقطاع الأمن والأمان الذي كانوا يشعرون به والحبيب صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرهم ، إذا قالوا خطأ صوّبهم ، وإذا رأى منهم اعوجاجا قوّمهم ، وإذا وقعوا في المخالفات ذهبوا إليه فاستغفروا اللّه واستغفر لهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، فغفر اللّه لهم وتاب عليهم ، حزن أهل الأرض لأن بموته صلّى اللّه عليه وسلّم انقطع وحي السماء ، فلا وحي بعده أبدا ، ولن ينزل جبريل بالكتاب والحكمة ، فأي مصيبة أعظم من ذلك . وعلى النقيض ، فرح أهل السماء فرحا شديدا ؛ لأن الروح الزكية العطرة الكريمة صعدت في ذلك اليوم إلى بارئها وخالقها ، روح الحبيب صلّى اللّه عليه وسلّم ، اليوم سيشم أهل السماء رائحة النفس المباركة ، التي ما عصت اللّه مرة واحدة ، وما غفلت عن ذكره طرفة عين ولا أقل من ذلك ، نفس بذلت كامل وسعها لله جل في علاه ، فإذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد بن معاذ استبشارا وسرورا بقدوم روحه ، فكيف سيكون الحال بقدوم روح من علّم سعدا ورباه ، هو يوم عظيم ليس في حياة أهل الأرض والسماء فحسب ، بل في حياة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، يوم عظيم له لأن الخليل سيلقى فيه خليله ، فيسعد برؤياه ويأنس بلقياه ويفرح بعطاياه ، يوم مشهود في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم حيث تتوالى عليه المنح بغير محن . فإذا كانت المنح في الدنيا قد أهديت إليه ببعض الألم والحزن وشدة المرض ، فاليوم ستكون العطايا خالصة صافية لا يشوبها شائبة ، يوم مشهود للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث لا كرب عليه بعده أبدا جزاء على جميل صنيعه وعظيم معروفه المبذول لوجه ربه الكريم الحنان المنان ، قال تعالى :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
( 4 ) [ الضحى : 4 ] . وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين عن الوفاة النبوية ، سأقتصر هنا على ذكر حديث واحد ، وأورد ما استطعت من ألفاظ الروايات الآخرى في سياق ذكر الفوائد .