تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
الأدب مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهذا عمارد بن رؤيبة يرى أن مخالفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في إحدى السنن الشكلية والشكلية جدّا - كما يظن البعض - ونبرأ إلى اللّه من هذا الظن ، يوجب الدعاء على المخالف . ويتفرع عليه ، أننا مأمورون باتباع كل ما جاءت به السنة ، وأن تقسيم السنة إلى أمور شكلية وأخرى جوهرية هو من الأمور المحدثة التي تبعد المسلمين عن دينهم ، وأما ما ذهب إليه العلماء من تقسيم للسنة النبوية إلى مؤكدة وغير مؤكدة ، فقد اضطروا إليه حتى لا يشقوا على الأمة ، وإلا فإننا نعلم أنهم كانوا أحرص الناس على اتباع جميع السّنن بلا تفريق بين مؤكدة وغير مؤكدة .

المثال الثاني :

عن عبد اللّه بن سرجس قال : ( رأيت الأصلع ، يعني عمر بن الخطّاب ، يقبّل الحجر ويقول : واللّه إنّي لأقبّلك وإنّي أعلم أنّك حجر وأنّك لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبّلك ما قبّلتك ) « 1 » .

فوائد الحديث :

الفائدة الأولى :

عظيم اتباع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لسنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث كان يعتقد في نفسه أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع ، ويعلن على الملأ أنه ما قام بتقبيله - ولا يخفى ما في التقبيل من تعظيم - إلا لرؤيته النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقبله ، ولولا ذلك ما قبّله ، ولا يستحي عمر رضي اللّه عنه مع ما عرف عليه من القوة والشدة في الحق ، أن يعلن ذلك ، ولكن ليعلم الجميع أن القوة في الحق ما كان ليترفع بها عن اتباع سنة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم وإلا كانت قوة وشدة مذمومتين يدخلان صاحبهما النار .

الفائدة الثانية :

أدب الصحابة الجم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وسنته الشريفة ، فهم كانوا يتبعونها اتباعا مطلقا ، يقبلون حجرا وهم لا يعلمون الحكمة من تقبيله ، ويعلنون للملأ أنهم ما فعلوا ذلك إلا رغبة في الاتباع ، لكنهم يعتقدون أن التقبيل سينفعهم قطعا من حيث كونه اتباعا لسنة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ويعلمون أنّ الترفع عنه أو المجادلة فيه سيضرهم قطعا لنفس العلة ، وهذا هو الفهم الصحيح للاتباع ، أما من يشترط أن يعرف حكمة كل أمر حتى يقوم بفعله ، فأقول له : أنت لست بمتبع ، بل أقول له : لقد تعديت حدود الأدب مع اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الحج ، باب : تقبيل الحجر ، برقم ( 1610 ) ، ومسلم ، كتاب : الحج ، باب : استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف ، برقم ( 1270 ) .