ما يقر به عين أحباب المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد قال ما نصه :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ
؛ أي : ما تركك منذ اعتنى بك ولا أهملك منذ رباك ورعاك ، بل لم يزل يربيك أحسن تربية ، ويعليك درجة بعد درجة .
وَما قَلى
الله إياك ؛ أي : ما أبغضك منذ أحبك ، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده ، والنفي المحض لا يكون مدحا ، إلا إذا تضمن ثبوت كمال ، فهذه حال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الماضية والحاضرة ، أكمل حال وأتمها ، محبة اللّه له واستمرارها ، وترقيته في درج الكمال ، ودوام اعتناء اللّه به .
وأما حاله المستقبلية ، فقال :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
( 4 ) [ الضحى : 4 ] ؛ أي : كل حالة متأخرة من أحوالك ، فإن لها الفضل على الحالة السابقة ، فلم يزل صلّى اللّه عليه وسلّم يصعد في درج المعالي ، ويمكّن له اللّه دينه ، وينصره على أعدائه ، ويسدد له أحواله حتى مات ، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون ، من الفضائل والنعم ، وقرة العين ، وسرور القلب . ثم بعد ذلك ، لا تسأل عن حاله في الآخرة من تفاصيل الإكرام ، وأنواع الإنعام ؛ ولهذا قال :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
( 5 ) وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة . انتهى كلام الشيخ - رحمه اللّه « 1 » .
5 - كذب ادعائهم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ساحر :
عن ابن عبّاس أنّ ضمادا قدم مكّة وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الرّيح فسمع سفهاء من أهل مكّة يقولون : إنّ محمّدا مجنون فقال : لو أنّي رأيت هذا الرّجل لعلّ اللّه يشفيه على يديّ قال : فلقيه فقال : يا محمّد إنّي أرقي من هذه الرّيح وإنّ اللّه يشفي على يدي من شاء ؛ فهل لك ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ الحمد للّه نحمده ونستعينه ، من يهده اللّه فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألاإله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، أمّا بعد قال : فقال : أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهنّ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاث مرّات قال : فقال : لقد سمعت قول الكهنة وقول السّحرة وقول الشّعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر قال : فقال : هات يدك أبايعك على الإسلام قال : فبايعه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « وعلى قومك ؟ » قال : وعلى قومي ، قال : فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سريّة فمرّوا بقومه فقال صاحب السّريّة للجيش : هل أصبتم من هؤلاء شيئا ؟ فقال رجل من القوم : أصبت منهم مطهرة فقال : ردّوها فإنّ هؤلاء قوم ضماد « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر تفسير السعدي ( 1 / 928 ) .
( 2 ) رواه مسلم ، كتاب : الجمعة ، باب : تخفيف الصلاة والخطبة ، برقم ( 868 ) .