تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
أن يطلع عليها الناس ، فقد تكون هذه من علامات الرياء .

الفائدة السّابعة :

الأخذ بالأسباب سنة الأنبياء ، وهي لا تنافي التوكل على اللّه - عز وجل - ، فالتوكل كما يعرّفه العلماء هو الأخذ بالأسباب مع قوة اليقين والثقة بالله ، وغير ذلك لا يكون توكلا ، ذكر الحافظ ابن حجر رحمه اللّه في باب قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال : لا أعمل شيئا حتّى يأتيني رزقي . فقال : هذا رجل جهل العلم ، فقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه جعل رزقي تحت ظلّ رمحي » « 1 » وقال : « لو توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 2 » . فذكر أنّها تغدو وتروح في طلب الرّزق قال : وكان الصّحابة يتّجرون ويعملون في نخيلهم ، والقدوة بهم ) « 3 » . انتهى . وسنة نبينا كلها مملوءة بمظاهر أخذه بالأسباب ، منها حديث الباب في قول عائشة : ( قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ) ، والتزود هو استصحاب الزاد ، أمرنا اللّه به في محكم التنزيل ، قال تعالى :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] . ومن أراد أن يأخذ الدروس والعبر في حرص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الأخذ بالأسباب ، فعليه بقراءة ما جاء في الهجرة المباركة ، فكل خطوة خطاها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ فيها بأحسن الأسباب ، كأن الهجرة كانت لتعليم الأمة الأخذ بالأسباب . ومن لا يأخذ بالأسباب ويدعي أن هذا هو منتهى التوكل ، أقول له : أأنت أعلم أم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ! أأنت أشد توكلا أم الرسول ؟ ، أقول له في النهاية : ماذا تقول في قوله تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
[ الأنفال : 60 ] ، وقوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] ، فأثبت الرماية لرسوله الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان التوفيق والتسديد منه - عز وجل - ولكن جاء بعد الأخذ بالأسباب .

الفائدة الثّامنة :

ما كان عليه الصحابة من تعظيم أمر الوحي ، وما أنزل من اللّه - عز وجل - ، فكانوا يرون أنه الحق ، والحق هو الصدق في الإخبار والعدل في الأحكام ، ومن تلقى الوحي بهذا الاعتقاد ، سارع في إقامة حدوده بتسليم وقبول ، ورضي واطمئنان ، لا
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الجهاد والسير ، باب : ما قيل في الرماح . ( 2 ) الترمذي ، كتاب : الزهد ، باب : في التوكل على الله ، برقم ( 2344 ) وابن ماجة ، كتاب : الزهد ، باب : التوكل واليقين ، برقم ( 4164 ) . ( 3 ) فتح الباري ( 6 / 113 ) .