تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
لما ادعوا أن الذي يعلمه ويكتب له أحد أصحابه ، قال تعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
[ النحل : 103 ] ، ولكن اللّه - عز وجل - فضح كذبهم ، وبين أن الذي يدعون أنه يعلم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليس من العرب بل هو رجل أعجمي ، قال تعالى :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
[ النحل : 103 ] ، حتى أهل الكتاب كانوا على يقين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميّا ، بل تيقنوا أنه لم يقرأ كتب الرسل السابقين ، لذلك كانوا يسألونه في مسائل يريدون أن يعجزوه بها ، ليس لها جواب إلا في كتبهم ، روى البخاري : أنّ عبد اللّه بن سلام بلغه مقدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة فأتاه يسأله عن أشياء ، فقال : إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ : ما أوّل أشراط السّاعة ؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة ؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه ؟ قال : « أخبرني به جبريل آنفا » « 1 » ، بذلك تعلم حكمة اللّه - عز وجل - في كون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أميّا ، ولو لم يكن للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم معجزة إلا أنه تكلم بجوامع الكلم مع كونه أميّا لا يقرأ ولا يكتب ، لكفى ذلك حجة على الكفار بصدق نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم وقد بين الله تعالى رحمته بالناس حيث قدّر على رسوله أن يكون أميّا بقوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
[ العنكبوت : 48 ] .

الفائدة الرّابعة :

على المسلم إذا بدأ في طلب العلم ، أو في تعليمه ، أن يسمي اللّه - عز وجل - وأن ينخلع من حوله وقوته ، ويكون يقينه باللّه وحده ، استفدنا ذلك من قوله :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
( 1 ) [ العلق : 1 ] قال الإمام ابن حجر رحمه اللّه : (
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
) ، أي : لا تقرؤه بقوّتك ولا بمعرفتك ، لكن بحول ربّك وإعانته ، فهو يعلّمك ، كما خلقك وكما نزع عنك علق الدّم وغمز الشّيطان في الصّغر ، وعلّم أمّتك حتّى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمّيّة ) « 2 » . ومن رحمة الخالق بخلقه أنه يسر لهم أدوات العلم ولم يتركهم لغياهب الجهل ، وهذا من مقتضيات الخلق ، يؤيد ذلك قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النحل : 78 ] ، فاللّه هو الذي منحنا تلك الحواس لنستعين بها على تلقي العلم حيث ذكرت تلك الحواس بعد ذكر خروج الناس من بطون الأمهات لا يعلمون أي شيء ، والعلوم النافعة هي توفيق من اللّه - عز وجل - وفتح رباني ، وبقدر ما جعل اللّه في تلك الحواس من حسن نظر وتفكر وفهم ، كان صاحبها في
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : المناقب ، باب : كيف آخى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين أصحابه برقم : ( 3938 ) . ( 2 ) فتح الباري ( 1 / 24 ) .
شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 156 | أحمد عبد الفتاح زواوي