تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الإسراء : 1 ] إلا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم من كمال أدبه ورفيع خلقه لم يلتفت يمنة أو يسرة للنظر في هذا الملكوت العظيم ، والذي ليس به موضع شبر واحد ، إلا وفيه آية من آيات الرب - تبارك وتعالى - ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يمتد بصره إلا لما أذن اللّه له أن يرى ، ولن يستطيع أحد مهما أوتي من علم وحكمة أن يتصور مثل هذا الخلق الرفيع أو يقيمه أو يقدره ، وليس هذا من باب المبالغة ، والسبب في ذلك أن أحدا منا لن يستطيع أن يتصور بعقله عظيم ملكوت اللّه وما به من آيات كبيرة ، والتي استطاع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بخلقه أن يقصر نظره عنها ، فهو خلق عظيم يتناسب مع ما في ملك اللّه من آيات ، فهل بعد هذا الخلق من خلق . وتصور أخي القارئ أنك دخلت قصرا لملك من ملوك الدنيا تعلم أن فيه ما لم تره عينك ولم تسمع به أذنك ولم يخطر من قبل على قلبك ، فكم من أدب تحتاج أن يكون معك حتى لا تنظر يمنة أو يسرة ، وشتان شتان بين ما عند اللّه - تبارك وتعالى - من آيات وما عند الملوك ، والفارق بينهما كالفارق بين الثرى والثريا ، بل الفارق أعظم من ذلك بكثير ، ولولا أن هذا الفعل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان خلقا رفيعا منه ، ما ذكره اللّه - سبحانه وتعالى - في القرآن العظيم في سياق الثناء والمدح . وأقول : إذا كان هذا خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما لا يقدر عليه غيره ، فكيف يكون خلقه فيما يقدر عليه غيره ، وإذا كان هذا الأدب منه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما لم يؤمر ، فكيف يكون أدبه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أمر به أو نهي عنه . قال الإمام ابن كثير رحمه اللّه في تفسير الآية : ( قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : ما ذهب يمينا ولا شمالا وما جاوز ما أمر به ، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي ، وما أحسن قول الناظم :
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو * رأى غيره ما قد رآه لتاها « 1 »
وقال الشيخ السعدي رحمه اللّه : ( وهذا كمال الأدب منه صلّى اللّه عليه وسلّم أن قام مقاما أقامه اللّه فيه ، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه ، وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم الذي فاق فيه الأولين والآخرين ، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور إما ألا يقوم العبد بما أمر به ، أو يقوم به على وجه التفريط أو على وجه الإفراط ، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا وهذه الأمور كلها منتفية عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ) « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ( 4 / 253 ) . ( 2 ) تيسير الكريم الرحمن ( 819 ) .
شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 148 | أحمد عبد الفتاح زواوي