المثال الثاني :
عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : دخلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أبي سيف القين ، وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه ، ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك ، وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تذرفان . فقال له عبد الرّحمن بن عوف رضي اللّه عنه : وأنت يا رسول اللّه . فقال : يا ابن عوف إنّها رحمة . ثمّ أتبعها بأخرى فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون » « 1 » .
الشّاهد في الحديث :
أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أصابه مثل ما يصيب الناس ، من أقدار اللّه المؤلمة ، كالمرض والجوع وفراق الأحباب ، وما أصابه في هذا الحديث ، هو موت الولد ، المحبب إلى الوالد ، خاصة إذا لم يكن عنده غيره ، فصبر صبرا جميلا ، وهو الصبر الذي لا نياحة فيه ، ولا شكوى ولا جزع ولا اعتراض على قضاء اللّه وقدره .
بعض فوائد الحديث :
الفائدة الأولى :
في الشمائل النبوية
1 - رقة قلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ويتمثل ذلك في :
أ - تقبيل وشم ابنه وقت مرضه .
ب - بكاؤه لما رأى إبراهيم يجود بنفسه ، أي يحتضر .
ج - حزن قلبه ، لما مات ابنه إبراهيم وأعلم أصحابه بهذا الحزن ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون » .
2 - أدبه مع اللّه - عز وجل - ورؤيته له في كل أحواله حيث إنه صلى اللّه عليه وسلم لم يقل - مع حزنه الشديد - أي كلمة تدل على جزعه وعدم صبره ، وبرر ذلك بعدم إرادة قول ما لا يرضي الربّ - سبحانه وتعالى - قال صلى اللّه عليه وسلم : « ولا نقول إلا ما يرضى ربّنا » .
الفائدة الثانية :
بكاء العين وحزن القلب - عند نزول المصائب - لا يقدح في إيمان العبد وتسليمه بقضاء اللّه وقدره ، وقد استشكل الأمر على الصحابي ، عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عندما رأى بكاء النبي صلى اللّه عليه وسلم وحزنه فقد كان يظن أن البكاء والحزن ، لا يناسب مقام النبوة ، فقال متعجبا : ( وأنت يا رسول الله ؟ ! ) ، أي : وأنت يجوز في حقك الحزن
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الجنائز ، باب : قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : إنا بك لمحزونون . . . ، ( 1303 ) .