تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
4 - في الحديث ذم الجهل والحث على العلم الشرعي ؛ لأن الذين فضلوا الرخاء وسعة العيش على سكنى المدينة إنما كان لجهلهم بفضل المدينة وكذلك جهلهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة . 5 - في الحديث الحث على الصبر في سبيل الله ، وأن تحمل الشدة والجهد مع الاحتساب قد يكون خيرا للمسلم من سعة العيش ، فليس السعة والرخاء محمودين دائما ، كما يؤخذ من الحديث مشروعية أن يضر العبد بدنه ابتغاء مرضاة الله - عز وجل - وطلبا لثواب الآخرة ، ودليله أيضا أن قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم كانت تتشقق وتتورم وهو قائم يصلي بالليل . 6 - سعة علم اللّه - سبحانه وتعالى - واطلاعه على القلوب والضمائر ، حيث علم من الذي يدع المدينة رغبة عنها وزهدا فيها ، وهو عمل قلبي قطعا ، كما يؤخذ من الحديث قدرته - عز وجل - وحبه للمدينة ، حيث أبدلها عن كل من رغب عنها من هو خير منه ، كما نتعلم من الحديث أن حبه - سبحانه وتعالى - للشيء لا يستلزم خلوّه وتصفيته من كل ما يكدّره وينغصه ، فاللّه - عز وجل - يحب المدينة ومع ذلك فإن فيها الشدة والجهد .

إليك أخي القارئ شاهدا على عمل الصحابة بهذا الحديث :

روى مسلم : عن أبي سعيد مولى المهريّ : أنّه جاء أبا سعيد الخدريّ ليالي الحرّة فاستشاره في الجلاء من المدينة ، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله ، وأخبره ألاصبر له على جهد المدينة ولأوائها ، فقال له : ويحك ، لا آمرك بذلك ، إنّي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلّا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما » « 1 » . بعد استعراض هذه الفضائل الكريمة لمدينة سيد الأنام صلى اللّه عليه وسلم ومسجده ، نعلم يقينا فضل الحبيب صلى اللّه عليه وسلم ومنزلته العالية الرفيعة عند ربه إذ أحاط مدينته ومسجده بكل أنواع التشريف والتكريم ، ولا يفوتني أن أذكر أجلّ وأحسن ما في المدينة وهي أنها تشرفت بوجود البقعة المباركة التي ضمت الجسد الشريف الطاهر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فحقيق بها أن ترفع عقيرتها بين مدن الأرض كلها جميعا ، وقد أورد النووي رحمه الله قول القاضي عياض ونصه : ( أجمعوا على أن موضع قبره صلى اللّه عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض ، واختلفوا في أفضلهما ما عدا موضع قبره صلى اللّه عليه وسلم ) « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ، كتاب : الحج ، باب : الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها ، برقم ( 1374 ) . ( 2 ) شرح النووي على صحيح مسلم ( 9 / 163 - 164 ) .