وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو كانوا يعلمون » ، فوصف الذين يرغبون عنها ويفضلون الرخاء بعدم العلم ، وفي هذا أعظم الذم والتقبيح لفعلهم ، قال ابن حجر رحمه الله : ( فيه تجهيل لمن فارقها وآثر عليها غيرها ، وقال : أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا ) « 1 » . كما أنه نقل عن الطيبي « 2 » موضع الذم بقوله : ( نكّر الحديث قوما ووصفهم بكونهم يبسون ثم أكد بقوله : « لو كانوا يعلمون » ؛ لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولذلك كرر قوما ووصفهم في كل قرينة بقوله : « يبسّون » استحضارا لتلك الهيئة القبيحة ) « 3 » .
3 - في الحديث أبلغ الحث ، بل هو المنتهى في الحث ، على سكنى المدينة حيث إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد وعد أهلها وعدا عظيما وبشرهم بشرى فيها غاية الحبور والسرور لهم ، من تحققت في حقه فقد فاز فوزا عظيما ، ألا وهي شفاعته وشهادته صلى اللّه عليه وسلم لأهلها يوم القيامة ،
[ مسائل ]
وهناك بعض المسائل يجب توضيحها وهي :
المسألة الأولى :
رجّح القاضي عياض أن ( أو ) في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت له شفيعا أو شهيدا » ليست للشك من الرواة لاتفاق روايات كثيرة بإثبات ( أو ) ، وقال نقلا عن بعض شيوخه :
( فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا وإما أن يكون ( أو ) للتقسيم ويكون شهيدا لبعض أهل المدينة وشفيعا لبقيتهم ، إما شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين ، وإما شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده ) « 4 » .
المسألة الثانية :
يشترط لثبوت شفاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم وشهادته لأهل المدينة أن يصبروا على ما قد يعانونه في المدينة من شدة وجوع وجهد ، صبر مع الإيمان والاحتساب ، صبر دون ضجر ولا شكوى ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة » .
المسألة الثالثة :
يحرم قطعا شفاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل البدع الذين يحدثون في دين اللّه ما ليس منه ، ودليله ما ورد عند الشيخين عن أبي حازم قال : سمعت سهل بن سعد يقول :
هامش
( 1 ) فتح الباري ( 4 / 93 ) .
( 2 ) هو الحسين بن محمد الطيبي نسبة إلى طيبة وهي من بلاد إقليم الغربية بمصر . توفي سنة ( 743 ه ) ، انظر الأعلام للزركلي ( 3 / 235 ) ، وفي ذيل تذكرة الحفاظ ( 1 / 85 ) .
( 3 ) فتح الباري ( 4 / 93 ) .
( 4 ) شرح النووي على صحيح مسلم ( 9 / 137 ) .