قال ابن عرفة : إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أميّة تقرّبا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم « 1 » .
وبينما أيّد ابن حبان حديث وجوب تبليغ الشاهد للغائب . وصحّح حديث عدم حلية كتمان ما سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم احتار كيف يخرج من هذا المأزق الحرج ، فصوّر له خياله ان يرفع عمر إلى درجة الأنبياء والمحدّثين الذين ينسخون ما ثبّته نبي البشرية صلّى اللّه عليه وآله وسلّم !
وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد جاء بأحكام جديدة نسخت بعض أحكام الديانات السابقة ، فهل أراد ابن حبان أن يقول : إنّ عمر المحدّث قد نسخ ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في وجوب تبليغ الشاهد للغائب . فهل هو نبي بعد نبي ؟ ! . . .
وإذا قال ابن حبان : أنّ غايته ليست كذلك ( وكانت كذلك ) بل أراد انّ عمر قد أدرك مخاطر مستقبلية لكتابة الحديث فمنع كتابته .
فهذا يعني أنّ عمر يعرف علوم الغيب للمستقبل ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الموحى إليه من السماء لا يدرك ذلك !
إذن التفسيران مرفوضان في منع عمر لكتابة وذكر الحديث . ولا يبقى إلّا تفسير واحد وهو الصحيح . وذلك التفسير يتمثّل في إتّباع عمر لنظريته ، ونظريّة قريش المتمثّلة في حسبنا كتاب اللّه المجرّد بلا تفسير .
وقد منع عمر ورفاقه الحديث النبوي وردّوه في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ قالوا في يوم الخميس :
إنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يهجر ، حسبنا كتاب اللّه « 2 » .
إذن نظريّة منع نشر الحديث النبوي ومنع كتابته قد قالها عمر ورفاقه في أيام حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولا علاقة لها بتخوّف عمر وأبي بكر وعثمان من اختلاط الحديث بالقرآن الكريم ! أليس كذلك ؟
فالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : إئتوني بورقة ودواة لأكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا .
فقال عمر : حسبنا كتاب اللّه .
هامش
( 1 ) فجر الإسلام ، أحمد أمين 213 .
( 2 ) صحيح البخاري باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير 2 / 118 .