الجيوش الموحّدة التي تعوّدت على الحرب ، بقلّة العدد والعدة ، والاعتماد على نصر اللّه ، والركون إلى الايمان ، والتوسل بالشهادة ، لم تلتفت وراءها ، بل صوّبت وجوهها إلى الأمام لفتح الحصون تمهيدا لفتح القلوب بنور الإسلام .
وبلغت تلك الجيوش حدّا من التوكل على اللّه سبحانه والاحتماء بالتقوى ، أنّها كانت تنتصر على الأعداء في جبهات القتال ضد الكفر حتى في زمن ملوك بني أميّة البعيدين عن التقوى !
ثم انحرفت نظرة السلطة إلى الغزو . قال عبد اللّه بن عامر : رأيي لك يا أمير المؤمنين ( عثمان ) أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمّرهم في المغازي ، حتى يذلّوا لك ، فلا تكون همة أحدهم الا نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته « 1 » .
فهدف الغزو هنا إذلال الناس واشغالهم وليس الفتح الإسلامي ونشر الدين .
وبينما كانت جيوش الموحدين تستبسل في جبهات القتال في الهند والأندلس ، كان الوليد بن يزيد يقضي ليله في الغناء والسكر مع بطانته الفاسدة حتّى بلغ الأمر حدا من التدهور ان قتلت السلطة الأموية موسى بن نصير فاتح الأندلس مع أبنائه ، كي تسلب منه الشهرة والفخر ، وتبقى صاحبة ذلك !
وأصبح هدف الملك المال وليس الإسلام ، إذ اخبر أحد الولاة هشام بن عبد الملك بقلّة الموارد المالية في بلاده .
فقال له هشام : احلب الدر فإن انقطع احلب الدم !
وأعاد هشام الجزية على من أسلم من أهل السغد فكفرت السغد وبخارى « 2 » . ولمّا ضعفت بعض الموارد المالية بسبب تحوّل الكفار نحو الإسلام قرّرت السلطة الأموية أخذ الجزية منهم ولو أسلموا !
وقد جاء في القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على الجهاد والغزو :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ
هامش
( 1 ) تجارب الأمم ، مسكوية 8 / 273 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 398 ، 399 .