وجئتنا مكذّبا فصدّقناك » .
فارتفعت أصواتهم بالبكاء وقام شيوخهم وساداتهم إليه فقبّلوا يديه ورجليه ، ثمّ قالوا :
رضينا باللّه وبرسوله ، وهذه أموالنا بين يديك ، فإن شئت فاقسمها على قومك ، ولكنّهم ظنّوا سخطا عليهم وتقصيرا بهم ، وقد استغفروا اللّه من ذنوبهم ، فاستغفر لهم يا رسول اللّه .
فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اللهمّ اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، يا معشر الأنصار ، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاة والنعم ، وترجعون أنتم وفي سهمكم رسول اللّه ؟ »
قالوا له : رضينا .
فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الأنصار كرشي وعيبتي » « 1 » ، لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ، اللهم اغفر للأنصار » .
وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعطى العباس بن مرداس السلمى أربعا من الإبل يومئذ فسخطها وهو رئيس قومه ، وأنشأ يقول :
( أتجعل نهبي ) ونهب العبي * د « 2 » بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس * يفوقان شيخي في المجمع
وما كنت دون أمرىء منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السّلام : « قم - يا عليّ - إليه فاقطع لسانه » .
فقال العباس بن مرداس : فو اللّه لهذه الكلمة كانت أشدّ عليّ من يوم خثعم ، حين أتونا في ديارنا . فأخذ بيدي عليّ بن أبي طالب فانطلق بي ، ولو أرى أحدا يخلّصني منه لدعوته ، فقلت : يا عليّ ، إنّك لقاطع لساني ؟
قال علي عليه السّلام : « إنّي لممض فيك ما أمرت » .
قال : ثمّ مضى بي ، فقلت : يا عليّ إنّك لقاطع لساني ؟
قال علي عليه السّلام : « إنّي لممض فيك ما أمرت » ، قال : فما زال بي حتّى أدخلني الحظائر ، فقال
هامش
( 1 ) في الحديث : « الأنصار كرشي وعيبتي » أراد أنهم بطانته وموضع سرّه وأمانته والذين يعتمد عليهم في أموره . النهاية 4 : 163 » .
( 2 ) العبيد : كزبير ، فرس . « القاموس المحيط - عبد - 1 : 311 » .