فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردّهم ردّا جميلا ، فانصرفوا عنه ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم على ما هو عليه يظهر دين اللّه ويدعو إليه ، ثم سرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا . وأكثرت قريش ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم بينها وتذامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه ، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرّة أخرى ، فقالوا :
يا أبا طالب إنّ لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنّا قد نهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا .
وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم ابائنا وتسفيه أحلامنا وعيب الهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين .
وفي مرة ثالثة جاؤوا إلى أبي طالب فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلّمه فيه فلينصفنا منه ، فيأمره فليكف عن شتم الهتنا وندعه وإلهه .
فبعث إليه أبو طالب ، فلما دخل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قال : يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم ، وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم الهتهم ، ويدعوك وإلهك .
قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها .
قال : وإلى ما تدعوهم ؟
قال : ادعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم .
فقال أبو جهل من بين القوم : ما هي وأبيك لنعطيكنّها وعشر أمثالها .
قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : تقول لا إله إلّا اللّه .
فنفروا ، وقالوا : سلنا غير هذه .
فقال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها .
فغضبوا وقاموا من عنده غضابى ، وقالوا : واللّه لنشتمنّك وإلهك الذي يأمرك بهذا . فقال اللّه تعالى عنهم :
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ
« 1 »
هامش
( 1 ) سورة ص 6 ، تاريخ الطبري 2 / 65 ، 66 .