ثم ردّ أبو طالب عرضهم في اعطائه عمارة بن الوليد بن المغيرة ليكون ابنا له ويعطيهم محمدا صلّى اللّه عليه واله وسلّم ليقتلوه !
فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف « 1 » لأبي طالب : لقد أنصفك قومك .
فقال أبو طالب : واللّه ما أنصفوني ولكنّك قد أجمعت على خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك « 2 » .
فحميت الحرب بينهم ، ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع اللّه تعالى رسوله منهم بعمه أبي طالب .
فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من أهل الإسلام ، فافتتن من افتتن وعصم اللّه تعالى منهم من شاء ، فلما فعلوا ذلك بالمسلمين أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة « 3 » .
وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم في مكة يدعو إلى اللّه تعالى سرا وجهرا قد منعه اللّه تعالى بعمه أبي طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته .
ولما رأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر .
وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه .
قال عمرو بن العاص : قد حضرتهم وقد اجتمع اشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا وشتم اباءنا وعاب ديننا وفرّق جماعتنا وسبّ الهتنا ، لقد صبرنا منه على امر عظيم .
فبينما هم كذلك إذ طلع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مرّ بهم طائفا بالبيت ، فلما مرّ بهم غمزوه ببعض القول ، قال : فعرفت ذلك في وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، ثم مضى فلما مرّ بهم الثانية غمزوه مثلها ، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها .
هامش
( 1 ) ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ! .
( 2 ) لقد اختلف أولاد عبد مناف فيما بينهم فوقف المطلب إلى جانب هاشم ووقف نوفل إلى جانب أمية واستمر ذلك في أبنائهم ، سيرة ابن إسحاق 152 ، تاريخ الطبري 2 / 66 ، 67 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 152 .
( 3 ) تاريخ الطبري 2 / 67 - 69 .