تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
لا مجال عندها في إرادة الإنسان وتصرّفه مطلقا ، وأنّ كلّ إنسان مضطرّ لا محالة لنيل عقوبة ما ، لما قدّمت يداه في حياته الأولى ، وذلك بالظهور في شكل سبع مفترس ، أو دابّة سائمة ، أو حيوان خسيس ، أو إنسان شقيّ معذّب . بينما نادت المسيحيّة بأنّ الإنسان عاص ومذنب بالولادة والفطرة ، والمسيح صار كفّارة وفداء له عن هذه الذنوب ، فأنشأت هذه العقيدة - بطبيعة الحال - في نفوس الملايين في العالم المتمدّن المعمور الذين اعتنقوا المسيحيّة سوء ظنّ بنفوسهم ، ويأسا عن مستقبلهم ، وعن الرحمة الإلهية . هنالك أعلن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم بكلّ قوّة وصراحة ، أنّ فطرة الإنسان هي كاللوح الصافي ، الذي لم يكتب عليه بعد ، ويمكن أن ينقش فيه أروع نقش ، ويحرر فيه أجمل تحرير ، وأنّ الإنسان يستهلّ حياته بنفسه ، ويستحقّ الثواب والعقاب ، والجنة والنار بعمله ، وهو غير مسؤول عن عمل غيره . فقد ذكر القرآن في مواضع كثيرة ، أنّ الإنسان مسؤول عن عمله فحسب ، وأنّه مثاب ومشكور على سعيه :
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
[ النجم : 38 - 41 ] . هذا الإعلان أعاد إلى الإنسان ثقته المفقودة بفطرته ومواهبه الطبيعيّة ، وانطلق إلى الأمام بعزم قويّ ، وحماس زائد ، وعاطفة جياشة ليصنع مصيره ومصير الإنسانيّة ، ويجرّب حظّه وقدرته في تلك الإمكانيات الهائلة ، والفرص الغالية . إنّ محمّدا صلى اللّه عليه وسلم قرر أنّ المعاصي والذنوب ، والأخطاء والزلّات فترة عابرة زائلة في حياة الإنسان ، يقع فيها الإنسان بجهله وغروره ، وقصر نظره حينا ، وبإغواء الشيطان ، وإغراء النفس بعض الأحيان ، وأنّ الصلاح والصلاحية ،