هذا الإنسان الذي يحمل دعاوى فارغة ، ومزاعم جوفاء من الشعر والفلسفة والسياسة والاجتماع ، والذي استعبد الأمم والبلاد مرارا كثيرة ، والذي حوّل الأحجار الصمّاء أزهارا عابقة فيحاء ، وفجّر الأنهار من بطون الجبال ، والذي ادّعى الرّبوبيّة أحيانا ، هذا الإنسان كان يسجد لأشياء تافهة لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تعطي ولا تمنع :
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
[ الحج : 73 ] .
وكان يركع أمام أشياء صنعها بنفسه ، ويخافها ، ويرجو منها الخير ، إنّه لم يخرّ ساجدا للجبال والأنهار ، والأشجار والحيوانات ، والأرواح والشياطين ، وسائر مظاهر الطبيعة فحسب ، بل سجد للحشرات والديدان أيضا ، وقضى حياته كلّها بين هواجس ووساوس وبين أخيلة وأوهام ، وأمان وأحلام ، كانت نتيجته الطبيعيّة الجبن والوهن ، والفوضى الفكريّة ، والقلق النفسيّ وفقدان الثقة ، وعدم الاستقرار .
فأغناه صلى اللّه عليه وسلم بعقيدة صافية نقيّة سهلة سائغة ، حافزة للهمم ، باعثة للحياة ، فتخلّص من كلّ خوف ووجل ، وصار لا يخاف أحدا إلا اللّه ، وعلم علم اليقين ، أنّه وحده هو الضارّ والنافع ، والمعطي والمانع ، وأنّه وحده الكفيل لحاجات البشر .
فتغيّر العالم كلّه في نظره بهذه المعرفة الجديدة ، والاكتشاف الجديد ، وصار مصونا عن كلّ نوع من العبوديّة والرقّ ، وعن كلّ رجاء وخوف من المخلوق ، وعن كلّ ما يشتّت ويشوّش الأفكار ، فقد شعر بوحدة في هذه الكثرة ، واعتبر نفسه أشرف خلق اللّه ، وسيد هذه الأرض ، وخليفة اللّه فيها ، يطيع ربّه وخالقه ، وينفّذ أوامره ، ويحقّق بذلك هذا الشرف الإنسانيّ العظيم ، والعظمة الإنسانيّة الخالدة التي حرمتها الدّنيا منذ زمن بعيد .