تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
وصراخه وعويله ، كما يفرح بالشراب الهنيء والطعام الشهيّ أو بالمنظر السارّ الجميل . سرّح طرفك في تاريخ رومة التي تغنّت أوربة - وما تزال - بفتوحها وبطولاتها ، وأمجادها وتشريعها وحضارتها ، تجد نموذجا حيّا للقسوة البشريّة التي بلغت قمّتها في هذا العصر ، يقول « ليكي » في كتابه « تاريخ أخلاق أوربة » يصوّر جانبا من همجيّة الإنسان وضراوته ، ووحشيّته النادرة ، يقول : « إنّ أكثر المناظر سحرا على نفوس أهل رومة ، وأعظم تسلية ومتعة لهم ، حين كان يسقط الجريح في مبارزة أحد الأبطال من بني جنسه ، أو مصارعة سبع ضار يتشحّط في دمه ، هنالك كان يفلت الزمام ، ويغلب الناس على أمرهم ، ويفقدون رشدهم ، فيتهالك الحشد الحاشد - وفيه النساء والأطفال والشيوخ العجّز - على الدنوّ من هذا المنظر الرهيب ، والإنسان البائس الشقيّ ، وهو من بني جلدتهم وأبناء بلادهم ، ليمتّعوا نفوسهم بمشاهدة احتضاره ، وليرنّ في آذانهم رنين أنينه ، فقد كان أجمل من كلّ غناء وموسيقا ، وسجع الطيور ، وكان رجال الشّرطة الذين كان من واجبهم المحافظة على النظام ، يقفون مشدوهين مكتوفي الأيدي أمام هذه الموجة العارمة من المتعة الظالمة الآثمة ، لا يملكون من أمرهم شيئا » « 1 » . لقد كانت قصّة الجاهلية الأولى أنّ حجرها الأساسيّ حاد عن موضعه ، بل تحطّم وتهشّم ولم يبق أمل في إصلاحه ، ووضعه في محلّه الصحيح ، ووقف الإنسان أمام المحكمة الإلهيّة ينتظر الحكم النهائي الأخير في مصيره ، هنالك بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ونادى صوت السماء :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] .
هامش
( 1 ) راجع « تاريخ أخلاق أوربة » للمؤلف الإنجليزي ليكي ، ج 1 ، ص 230 .