تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
وقار تمزجه نشوة الانتصار : لقد درستم يا أبنائي هذه العلوم الكثيرة ، فهل درستم علم السّباحة ؟ وهل تعرفون إذا انقلبت هذه السفينة - لا قدّر اللّه - كيف تسبحون وتصلون إلى الساحل بسلام ؟ قالوا : لا واللّه يا عمّ ، هو العلم الوحيد الذي فاتتنا دراسته والإلمام به . هنالك ضحك الملّاح وقال : إذا كنت ضيّعت نصف عمري ، فقد أتلفتم عمركم كلّه ، لأنّ هذه العلوم لا تغني عنكم في هذا الطوفان ، إنّما كان ينجدكم العلم الوحيد ، هو علم السباحة الذي تجهلونه « 1 » . هذه مهمّة النبوّة ودورها في إنقاذ البشريّة المشرفة على الغرق ، وهذه طبيعة عمل الأنبياء والرسل ، وامتيازه عن سائر أصناف التعليم والتربية ، والترويح والتسلية ، يمنحون الجيل البشريّ « علم النجاة » ويعلمونه فنّ السباحة ، وتجديف سفينة الحياة . إنّ التاريخ الإنسانيّ يدلّ دلالة واضحة على أنّه لما غرقت سفينة الحياة لفساد أخلاق الناس ، وسيّئات أعمالهم ، غرقت بكلّ ما فيها من مجموعة بشرية ، ورصيد حضاريّ ، ومحصول فكريّ ، وإنتاج علميّ وفلسفيّ ، وبكلّ ما فيها من روائع الشعر والأدب والبيان ، وأنّ هذه السفينة لم تغرق أبدا من أجل الانحطاط الأدبيّ ، وقلّة المدارس والجامعات ، وفقدان التعليم العالي ، أو من قلّة المال وانخفاض مستوى المعيشة ، إنّها غرقت لأنّ الإنسان أعدّ نفسه للانتحار ، إنّه صار معولا هداما لذلك البناء الذي فيه متاعه وأهله .
هامش
( 1 ) القصة مقتبسة من كتاب المؤلف « النبوة والأنبياء في ضوء القرآن » ص ( 24 ) من الطبعة السابعة لدار القلم بدمشق .
السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 616 | السيد علي الحسني الندوي