تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ممثّلة لاتجاه خاص كان يسيطر على مؤلف الكتاب . ومنهم من يريد أن يصوّر أحد العظماء فيصوّر نفسه ، ويريد أن ينظر إليه نظرة مجردة ، فيبدأ ينظر إليه من خلال ميوله وتجاربه ووجهة نظره ، ويسلّط عليه مقاييسه الخاصة . إنّ من درس علم النفس والأخلاق ، وعني بدراسة الشخصيات المعاصرة ، وعاش معها طويلا عرف أنّ النزول في أعماق نفس إنسان والإحاطة بافاقها ، وتصويرها تصويرا دقيقا شاملا من أصعب أنواع المعرفة وأساليب البيان وأدقّها ، وأنه لا يحسن ذلك بعض الإحسان ، ولا يقدر عليه بعض القدرة إلا من عرف شيئا كثيرا من خوالج النفس وخواطرها ، وآمالها وآلامها ، وأحزانها وأشواقها والتهاب الروح ، ولوعة القلب ، وقد رأى كيف يبيت هذا الإنسان ليله ويقضي نهاره ، وكيف يعاشر أهله ويعامل أصحابه ، قد رآه في السّلم والحرب ، والرّضا والغضب ، وفي العسر واليسر ، والضّعف والقوّة ، ومن أحوال النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها ، ومن مظاهر الجمال والكمال ما لم توضع له ألفاظ بعد ، ولا تفي به ثروة لغوية مهما اتّسعت ودقّت . والسّيرة النبويّة المحمّدية تتميّز من بين سير أفراد البشر - وفيهم الأنبياء وغير الأنبياء - بدقّتها وشمولها ، واستيعابها لدقائق الحياة وتفاصيلها وملامحها وقسماتها ، وذلك بفضل علم الحديث ، الذي لا يوجد له نظير ، لا في تاريخ الأنبياء ولا في تاريخ العظماء ، وكتب السّير والشمائل ، وما جمع وحفظ من الأدعية « 1 » والأذكار النبوية ، ومناجاته صلى اللّه عليه وسلم لربّه آناء الليل
هامش
( 1 ) ليراجع مقال المؤلّف في صلة الأدعية النبوية بالسيرة ؛ وقيمتها وأهميتها في دراستها ، وأنها مرآة تجلت فيها خصائص النبوة وأسرارها وصلتها باللّه وبالخلق ، والمعرفة الدقيقة لحقائق -