وسلوكا ، يكون مستمدا على الدوام ، من هذا النهر الفياض ، الذي يملأ الحياة بكل جوانبها خيرا وبركة ، فيوفر ذلك صحّة في القصد ، وصفاء في الفهم ، ودقة في التصور ، وجودة في الاستكناه والاستجلاء ، وبغير ذلك فالدراسة هزيلة بخيلة نحيلة ، وشاحبة ناحبة ، وأمرها يغيض ولا يفيض ، ينحدر نضوبها ، ويتبعثر هروبا ، ثم تذهب أدراج العواصف هشيما تذروه الرياح .
وإذا كانت بداية الاهتمام بالسيرة هواية - وما زالت - محببة إلى النفس ، وسلوى وقوة لها وأنسا ، وغذاء وإطرابا لأركانها ، وندى وظلالا تستظل أفياءها ، فإنها قد تعمّقت بمرور السّنين وتوالي تدريسها ، حتى أصبحت تخصّصا آخر ، بعد أن جرى الاستمرار في هذا الاهتمام ، وتدريسها في الجامعات لأكثر من بلد ، ولما يزيد على خمسة عشر عاما ، أكثرها ذات فصلين .
ثم فوق ذلك ، إن لكل أمر دوافع ، ودوافع هذه الدراسة تنبع من عقيدتنا الإسلامية ، فان معرفة السيرة الشريفة تاريخا وتفسيرا والتزاما ، والسنة المطهرة حديثا وفعلا وتقريرا ، مهمة أساسية ؛ إذ أنها ترتبط بعقيدة المسلم ، وهي جزء من إسلامه . وعلى هذا النسق يجب أن تكون دراستها .
* اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها :
فدراسة السيرة النبوية الشريفة - والتاريخ الإسلامي عموما - بالنسبة لكل مسلم ، مهمة أساسية ، وإذا كان ذلك مهما لغير المتخصصين والباحثين في أية صيغة وهدف - دراسة وقراءة وحديثا وتدريسا وكتابة عن السيرة الشريفة ، فلا بد من العيش في موكبها والسعي لمثلها ، فهي لأهل التخصص وأمثالهم أهمّ وألزم وأوجب وأرغب ، متابعة وتجلية وحثا وتأليفا ، بصيغة تتناسب - قوة ودقة - وموقعها ذاك .
وإني كلما سرت ، وتقدمت في المتابعة ، وتعمقت فيها ، فرحت