وأشرافهم أشلاء - حيث بعد هذه البيعة في مكة ( منى ) أرادوا مقاتلة قريش فمنعهم الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم إذ لم يكن قد أذن بالقتال .
فالإيمان باللّه تعالى ودعوته بطبيعته ، يستجيش كل الطاقات الإنسانية بأعلى صياغة وأنقاها وأجودها ، يغذيها ويقويها ويعليها لتقوم ، وينشطها على شرعه بمنهجه الفريد الجديد ويوفرها ويولدها .
فإن اللّه تعالى لا يأخذ أهل الغواية والضلال والشرك إلا بعد أن يظهر الحق أوضح ما يكون لكل أحد ، وتظهر حجته كاملة قوية لهم ولا يبقى إلا العناد . فإذا ما أعرضوا أخذهم وخذلهم وهزمهم .
وكان هذا الجيل وأمثالهم إذا استعدّوا لشيء وقالوه أعلنوه ، لا ينكصون عنه أبدا بل يزيدون . وهذه إحدى صور الوفاء عند المسلم ، الذي لا ننتظر غيره ، مثلما لا ننتظر من غيرهم إلا الغدر والنكث والخلف إن لم يكن الاعتداء . ولا يعرفون غيره ، وإن وفّوا فلمصلحة . وإنّ بعض مظاهر الوفاء التي تبدو على غير المسلمين ليس لها أصالة أو حقيقة أو جذور ، ولذلك توقع الغدر ، فهم حسب أهوائهم وعداوتهم وولاآتهم ومصالحهم . وهذا التاريخ الإسلامي منذ أيام الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى ذهاب خلافة الإسلام ( العثمانية ) - بدايات القرن العشرين - كله وفاء ، لكن ائتوني بحادثة وفاء واحدة لدى أمم الحضارة ، فيها وفاء حقيقي أصيل ملتزم .
أما التاريخ الحديث الذي نذكره ، فكل يوم ترى على مسارحهم جديدا من هذه الصور الكالحة الفاضحة الموبوءة . ولكنهم يسيرون بكبرهم وتجاوزاتهم ، التي غاب من أمامه أهل الإيمان والجهاد والفداء ، بل وحكموا بالزيف والخديعة والادعاء . كما وجدوا أمامهم غفلة وأهواء ومظاهر خادعة . وسلوك الإنسان دليل على نوعيته وحقيقته ومعتقده . ومن هنا قال الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم : « الدين المعاملة » « 1 » ، أي : من ثماره حسن
هامش
( 1 ) مشهور ، رواه العديد .