تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩

رأينا في هذه السرايا

والذي نراه في هذه السرايا التي وقعت في السنة الأولى أنها كانت لمعاقبة المشركين ، والحصول على ما يمكن الحصول عليه من تجاراتهم ، نظير ما أخذوا من أموالهم وما ظلموهم ، ولإضعاف شوكتهم ، فإن المال عصب الحياة . وأيضا فقد قصد بها إفهام قريش أن مصلحتهم تقتضيهم التفاهم مع المسلمين من أهليهم - الذين اضطروا إلى الفرار من مكة بسبب ما عانوا من الاضطهاد والإيذاء - تفاهما يقي الطرفين شرور العداوة والبغضاء ، ويكفل للمسلمين حرية الدعوة إلى دينهم ، وحرية الإعلان عن عقيدتهم ، وحرية الدخول إلى الحرم لتأدية شعائرهم ، كما يكفل لأهل مكة سلامة تجارتهم في طريقها إلى الشام ، ولم يكن مثل هذا التفاهم ممكنا ما لم تقدّر قريش قوة المهاجرين من أبنائها على الإيقاع بها ، وإيصاد طرق التجارة في وجهها . ولا أرى أنها كانت للحرب ، فقد كان القتال لم يشرع بعد ، وذلك على حسب ما ترجّح في نظري من أن مشروعية القتال كانت في أوائل السنة الثانية على ما سأذكر ، لأن الأعداد التي كان فيها المسلمون في سراياهم تلك لم تكن متكافئة مع أعداد المشركين ، ولم تنقل الروايات أن النبي كان يوجههم للقتال ، وإنما للقاء العير واعتراضها ، وإن كان الاعتراض لا يسلم من المناوشة . وقد رأى هذا الرأي من قبل الدكتور محمد حسين هيكل رحمه اللّه تعالى « 1 » ، وإن كنت أخالفه في اعتبار الغزوات التي كانت في السنة الثانية قبيل بدر من هذا القبيل ، فاحتمال القتال فيها أمر راجح ، ولا سيما وقد أصبح الجهاد مشروعا للمسلمين .

مزاعم المستشرقين في هذه السرايا

زعم بعض المستشرقين أن هذه السرايا الأولى إنما كان يقصد بها إلى نهب تجارة القوافل ، فإن النهب كان بعض طباع أهل البادية ، وأن أهل المدينة
هامش
( 1 ) حياة محمد ، ص 239 - 240 .