ثم بين اللّه عز شأنه ما يجب أن يتخلّق به التابعون ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ، وهو موقفهم من المهاجرين والأنصار خيار هذه الأمة الذين زكاهم اللّه ورسوله فقال :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
: فليتق اللّه الذين يتناولون الصحابة رضوان اللّه عليهم بالنقد الجريء والتجريح ، وليتأدبوا بأدب القران في هذا .
ثم ذكر اللّه المنافقين وكيف أغروا بني النضير على المعاندة حتى يئسوا منهم ، ونزلوا على حكم الرسول فقال :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا . . .
إلى قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
. وقد ذكرتها أثناء الغزوة .
ثم بيّن اللّه أن اليهود لا يجرؤون على قتالكم إلا وهم متحصنون فقال تعالى :
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ
: أي هم يدّعون القوة والبأس فيما بينهم ، فإذا لقوكم انهارت قواهم ، وانماعت شجاعتهم ، والمراد بالحصون الحسية والمعنوية ، فتشمل الحصون المثبتة ، والمتاريس ، والخنادق ونحوها كما كان أولا ، وتشمل أيضا الدبابات والطائرات ، والقواعد التي يوجهون منها الصواريخ كما هو اليوم ، ولو لم يكن إلا عنايتهم ببناء المسالح ، والقرى المحصنة اليوم - المستعمرات - لكفى في بيان أسرار الإعجاز في الآية فاعتبروا يا أولي الأبصار .
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
: تحسب اليهود والمنافقين متفقين في ظاهرهم ولكنهم مختلفون في بواطنهم ، فأهواؤهم متشعبة وقلوبهم متفرقة .
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ
: هم بنو قينقاع الذين سبقوا بالغدر والنذلة .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
: فقد أجلوا في الدنيا ولهم العذاب في الآخرة .
ثم بين سبحانه أن مثل المنافقين في إغرائهم اليهود وتخليهم عنهم
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ . . .
الآيتين . وإلى هنا انتهى ما يتعلق ببني النضير .