موقف النّبيّ عليه السّلام من اليهود وموقفهم منه
ذكرنا فيما سبق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود ، وكتب بينه وبينهم كتابا شرط لهم فيه وشرط عليهم ، وأقرهم على دينهم بشرط أن لا يغدروا ، ولا يمالئوا عليه عدوا ، ولكن اليهود قوم في طبيعتهم الغدر والدس والخيانة ، فقابلوا هذا الإحسان بالإساءة ، وحاربوا الدعوة الإسلامية بأساليبهم الماكرة حربا لا هوادة فيها ، فقد هموا بقتل النبي وهو بدارهم لولا أن عصمه اللّه منهم ، وطالما سعوا في إفساد ما بين المسلمين ولا سيما الأوس والخزرج من أخوة ومحبة كانت بفضل اعتناقهم الإسلام ، وكثيرا ما نقضوا العهود وحاولوا طعن المسلمين من ظهورهم ، وكثيرا ما ألّبوا عليه المشركين والقبائل كما حدث في غزوة الأحزاب .
وهكذا كانت حياتهم في المدينة وما جاورها سلسلة من المخازي ، والمؤامرات الدنيئة ، فلم يكن بدّ من أن يقف النبي منهم موقفا حازما ، فأجلاهم عن المدينة واستراح من شرورهم ، وقتل من يستحق منهم القتل ، ولم تأت السنة السابعة حتى تقوّض سلطانهم في شبه الجزيرة ، ولم يعد لهم شأن يذكر ، وأذعنوا لسلطان الإسلام وسطوته . وهذا إيجاز يحتاج إلى تفصيل ، وإليك البيان .
محاولتهم الوقيعة بين الأوس والخزرج
مرّ شاس بن قيس - وكان شيخا كبيرا عظيم الكفر ، شديد الطعن على المسلمين - على نفر من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام ، بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من