ولا تدفنّي بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت ألاأذوقها
لذلك كان حكمة الشارع الحكيم أن حرمها بالتدريج ، فإن النفوس البشرية يشق عليها ترك ما تعودته دفعة واحدة ( شديد عادة منتزعة ) ، فقد نزل فيها أول ما نزل قوله سبحانه :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
« 1 » .
والآية وإن لم تقطع بالتحريم إلا أن فيها ترجيح جانب الحرمة على الحلّ ، فمن ثمّ تركها قوم واستمر على شربها آخرون .
ثم إن بعض المسلمين وهو عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما لأصحابه ، فأكلوا وشربوا ، ثم قام أحدهم يصلّي بهم وهو لا يعي ، فقرأ :
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ »
، فترك حرف النفي في الآية وهو ( لا ) ، فأنزل اللّه سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
« 2 » .
فقالوا : ما لنا ولشيء يمنعنا عن صلاتنا ، فكانوا يتركونها عند الصلوات ، وفي الأوقات القريبة منها ، حتى إذا ما صلّوا العشاء شربوا وناموا ، فيصحون وقد زال أثر السكر ، وبذلك صار من السهل تحريمها تحريما باتا ، وهذا ما كان .
فقد صنع بعض المسلمين طعاما ، فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برؤوسهم ، فتهاجوا بالأشعار ، فتشاجروا حتى شجّ أحدهم رأس الاخر بعظم ، فقال الفاروق عمر : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فأنزل اللّه سبحانه :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 219 .
( 2 ) سورة النساء : الآية 43 .