ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركوبة ، ويقال : ثنية الغائر - فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء ، وكادت الشمس تعتدل .
في خيمة أم معبد
وفي الطريق إلى المدينة مرّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأم معبد ، وإليك قصتها لما فيها من معجزة ظاهرة للنبي ، ولما فيها من صورة صادقة للمرأة العربية في عفتها وشهامتها ، ومروءتها ، وكرمها ، وبلاغتها وفصاحتها ، فقد وصفت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما يعجز عنه بيان غيرها .
روى البيهقي وغيره « 1 » عن أخي أم معبد حبيش صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعه أبو بكر ، وعامر بن فهيرة ، وابن أريقط يدلهم على الطريق مرّوا بقديد على أم معبد : عاتكة بنت خالد بن خليد « 2 » الخزاعية ، وكانت برزة « 3 » ، جلدة « 4 » ، تحتبي بفناء القبة « 5 » ، ثم تسقي وتطعم من يمر بها ، وكان القوم مرملين « 6 » مسنتين « 7 » ، فسألوها : هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا ، وقالت : واللّه لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى « 8 » .
هامش
( 1 ) ورواها أيضا ابن خزيمة ، والحاكم وصحّحها ، وصاحب الغيلانيات ، ومن طريقه اليعمري عن أبي سليط الأنصاري البدري ، وابن عبد البر ، وابن شاهين ، وابن السكن ، والطبراني وغيرهم .
( 2 ) على صيغة المصغر كما صرّح به ابن الأثير في الجامع ، وقيل : ابن خنيف مصغرا ، وقيل ابن منقذ ، وهي صحابية خرّج لها ابن السكن .
( 3 ) كضخمة عفيفة مسنة فلم تتخدر لسنها ، وخرجت من حد المحجوبات .
( 4 ) قوية .
( 5 ) الفناء : المكان الواسع أمام البيت أو القبة وهي الخيمة .
( 6 ) نفدت أزوادهم .
( 7 ) أصابتهم سنة أي جدب .
( 8 ) القرى : إكرام الضيف أي ما منعناه عنكم .