شيخ الفدائيين
وفي الطريق إلى الغار رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أبي بكر عجبا ، راه مرة يسير أمامه ، ومرة يسير خلفه ، ومرة عن يمينه ، ومرة عن شماله ! ! فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذا ، فقال : يا رسول اللّه أذكر الطّلب « 1 » فأمشي خلفك ، وأذكر الرّصد « 2 » فأكون أمامك ، ومرة عن يمينك ، ومرة عن شمالك ، لا امن عليك « 3 » !
فقال له النبي : « يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني ؟ » قال : نعم والذي بعثك بالحق ! !
وما زالا يسيران في ظلمة الليل وبين الرمال والصخور حتى وصلا إلى الغار .
استبراء الغار
ولما وصلا إلى الغار وأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينزل فيه قال له الصديق :
مكانك حتى أستبرىء لك ، فإن كان به أذى نزل بي قبلك ، ثم نزل فتحسس الغار فلم يجد به شيئا ، فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد بلغ منه الإعياء والتعب مبلغه « 4 » ، فما إن دخلا حتى توسّد الرسول قدم أبي بكر ونام .
وكان الصدّيق يأخذ من ثوبه ويسدّ فم الأجحار خشية أن يكون شيء من الهوامّ فتؤذي رسول اللّه ، فبقي منها جحر فألقمه عقبه ، وكانت به حية فلدغته ،
هامش
( 1 ) الطالب للإنسان ، وإنما يأتي من الخلف .
( 2 ) الرصد : المترصد في الطريق .
( 3 ) روى هذه القصة الإمام البيهقي ( البداية والنهاية ، ج 3 ص 180 ) .
( 4 ) لقد صعدت إلى هذا الجبل نهارا في رفقة ونحن شباب ، فاستغرقنا أكثر من ساعة ، وقد حفيت أقدامنا من الصخور ، فما بالك إذا كان ليلا ، وطلبا للنجاة من عدو مغيظ محنق ؟ فللّه ما لقي النبي وصاحبه في هذه الليلة ، وأذكر أن رحلتنا تلك كانت في مثل يوم الذكرى المجيدة ، ذكرى الميلاد ، وقد صليت في الغار ركعتين ، وألقيت كلمة يومها في جلال هذه الذكرى .