الفصل السّادس الإسراء والمعراج
في الإسراء والمعراج تسرية عن نفس النبي
قد علمت انفا ما وجد النبي من ثقيف لما ذهب إليهم داعيا إلى اللّه ، وما صنعوه معه من الأذى حتى أدموا عقبيه ، وكيف عاد النبي من الطائف مهموم النفس ، جريح الفؤاد ، لا لما ناله من الأذى فذلك أمر يهون ، ولكن خوفا على الدعوة ألاتجد مكانا صالحا لانتشارها ، فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يرجو من وراء رحلته المضنية إلى الطائف خيرا للدعوة ، ومؤازرة لها ، ولكنه وجد أهلها أسوأ من أهل مكة ، وأجهل وأسفه ، وكيف حال مشركو مكة بينه وبين دخول بلده لولا أن أجاره المطعم بن عدي سيد من سادات قريش ، فتمكن من دخولها ، والطواف حول الكعبة .
وفي هذه الغمرة من الماسي والأحزان ، وصدود القوم عن الإيمان ، ومحاربة الدعوة الإسلامية بكل الوسائل والطرق ، وبعد هذه الشدائد المتلاحقة ؛ كان من رحمة اللّه بعبده وحبيبه محمد صلوات اللّه وسلامه عليه أن يسرّي عن نفسه الجريحة ، وفؤاده المحزون ، فكان الإسراء والمعراج .
فقد شاهد من آيات ربه الكبرى ما شاهد ، وعاين من أمارات العناية الإلهية به وبدعوته ما زاده يقينا إلى يقين بإنجاح دعوته ، وتبليغ رسالة ربّه ، ونصره على أعدائه ، وأطلعه اللّه سبحانه من ملكوته العظيم على ما أطلعه عليه مما ملأ نفس الرسول رضى عن اللّه ، وقلبه نورا وطمأنينة ، وصدره ثلجا وانشراحا .