قال الإمام ابن كثير في تفسيره « 1 » ما خلاصته مع التوضيح : وقد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل - عليه السلام - على صورته التي خلقه اللّه عليها مرتين :
الأولى عقب فترة الوحي ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم نازل من غار حراء ، فرآه على صورته له ستمائة جناح قد سدّ عظم خلقه الأفق ، فاقترب منه ، وأوحى إليه عن اللّه عز وجل ما أوحى ، وإليه أشار اللّه بقوله :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 7 ) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 )
« 2 » .
والثانية : ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى ، وهي المشار إليها في هذه السورة « النجم » بقوله : « ولقد راه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى » .
الإسراء والمعراج بالجسد والروح
جمهور العلماء - سلفا وخلفا - على أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة ، وأنهما كانا في اليقظة بجسده وروحه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى في مفتتح سورة الإسراء « بعبده » ، إذ ليس ذلك إلا الروح والجسد .
وقد تواردت على ذلك الأخبار الصحيحة المتكاثرة ، والنصوص على ظواهرها ما لم يقم دليل على صرفها عن ظاهرها ، وأنّى هو ؟
وفي الأحاديث الصحيحة أنه شق صدره الشريف ، وركب البراق ، وعرج به إلى السماء ، ولاقى الأنبياء ، وفرضت عليه الصلوات الخمس ، وأن اللّه كلمه ، وأنه صار يرجع بين موسى - عليه السلام - وبين ربه عز وجل ، مما يؤكد أنهما كانا بجسده الشريف وروحه ، وينفي ما عدا ذلك .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ج 8 ص 96 وما بعدها ط المنار .
( 2 ) الآيات 5 - 10 من سورة النجم ، والضمير في قوله : « فأوحى » عائد على جبريل وهو الظاهر المقبول ، لأنه المتحدث عنه قبل ، وقيل : عائد على الحق تبارك وتعالى ، وهو بعيد مردود لما فيه من تفكيك النظم الكريم ، وأما الضمير في « عبده » فهو راجع إلى اللّه سبحانه فحسب ، أي فأوحى جبريل إلى عبد اللّه محمد ما أوحى ، أو فأوحى اللّه إلى عبده محمد ما أوحى بوساطة جبريل .