الحبشة ، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه ، قالت : وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا ، فقال :
إنّه للانطلاق يا أم عبد اللّه ؟ قالت : فقلت : نعم ، واللّه لنخرجنّ في أرض اللّه ، اذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل اللّه لنا فرجا ومخرجا ، فقال : صحبكم اللّه !
قالت : ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف ، وقد أحزنه فيما أرى خروجنا . قالت : فجاء عامر ، فقلت له : يا أبا عبد اللّه ، لو رأيت عمر انفا ورقته وحزنه علينا ، قال : أطمعت في إسلامه ؟ قالت : نعم ، فقال : فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب ! ! وذلك لما كان يرى من غلظته وقسوته .
سماعه للقران
وقد كان للقران الكريم ، وإعجازه ، وأسلوبه ، وحسن تأليفه ، وإحكام معناه أكبر الأثر في إسلامه ، ومثل عمر في ذوقه الأدبي ، وعلمه باللغة وأساليبها ، وتذوقه للجيد من الكلام ممن تأسره بلاغة القران وأسرار الإعجاز ، روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر قال : خرجت أتعرّض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن أسلم ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد ، فقمت خلفه ، فاستفتح سورة الحاقة ، فجعلت أتعجب من تأليف القران ! ! فقلت : هو شاعر كما قالت قريش « 1 » ، فقرأ :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 )
.
فقلت : كاهن علم ما في نفسي ، فقرأ :
وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) . . .
.
إلى اخر السورة ، قال عمر : فوقع الإسلام في قلبي كل موقع « 2 » .
كما تذكر بعض الروايات أنه جاء ذات يوم يريد جلساءه فلم يجد أحدا ، فقال : لو أني ذهبت إلى فلان الخمار لعلي أجد عنده خمرا فأشرب ، فلم يجده ،
هامش
( 1 ) تأمل لترى أنه قال ذلك متابعة لا عن يقين وعلم من نفسه .
( 2 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 8 ص 472 .