اية الروح مكية أم مدنية ؟
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته يوافقه ما رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه ، وقال : إنه صحيح وهو يتفق وكون الآية مكية .
ولكن روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أنه كان مع النبي وقد مرّ على اليهود ، وهو متكئ على عسيب نخل ، فقال اليهود بعضهم لبعض :
سلوه عن الروح ، فسكت فلم يرد عليهم ، ثم أقام ساعة ينظر قال ابن مسعود :
فظننت أنه يوحى إليه ، فلما سرّي عنه قال : « ويسألونك عن الروح . . . » الآية ، وهذا يقتضي أن السائل اليهود ، وأن الآية مدنية ، فمن ثمّ رجّح بعض العلماء ما في الصحيح وقالوا : إن الآية مدنية وبعض السور المكية فيها بعض الآيات المدنية وبالعكس .
وذهب بعض العلماء ومنهم ابن كثير إلى تعدد النزول بأن تكون نزلت في مكة بسبب سؤال المشركين له بعد استشارتهم اليهود ، ثم نزلت في المدينة بعد لما مر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على اليهود وسألوه ، ولا مانع - كما قال الزركشي وغيره - من تكرر نزول بعض اي القران تعظيما لشأنها ، وتذكيرا بها « 1 » .
مجادلة يهود المدينة في اية الروح
ولما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة قال أحبار يهود : يا محمد أرأيت قولك :
« وما أوتيتم من العلم إلا قليلا » أإيانا تريد ، أم قومك ؟ ! قال : « كلّا عنيت » قالوا : فإنك تتلو فيما جاءك ، إنا أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء ! فقال صلّى اللّه عليه وسلّم :
« إنها في علم اللّه قليل ، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه ، فأنزل اللّه تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك قوله :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
« 2 » أي أن التوراة وغيرها من علم اللّه شيء قليل « 3 » .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ، ج 3 ص 52 ، 53 ؛ المدخل لدراسة القران الكريم ، للمؤلف ، ص 109 ، 112 .
( 2 ) الآية 27 من سورة لقمان .
( 3 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ص 308 .