أي بما جاءك من اللّه من نعمته وكرامته من النبوة « 1 » أي اذكرها ، وادع إليها ، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر ما أنعم اللّه به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله « 2 » .
وذكر الطبري في تفسيره نحو ذلك عن ابن عباس ، وكذلك ذكر بعض كتاب السير قديما وحديثا ، والحق أن أول ما نزل بعد فترة الوحي هي الآيات من صدر سورة « المدثر » كما ذكرنا أولا ، لأن ما في السيرة لا ينهض من جهة قوة السند لمقاومة ما في الصحيح ، لأن هذه الروايات - كما قال الحافظ في الفتح - لا تثبت ، وتكون سورة الضحى من أوائل ما نزل بعد فترة الوحي وليست أول ما نزل ، والمؤلفون في علوم القران وترتيب السور في النزول لم يذكر أحد منهم أنها ثاني سورة نزلت من القران ، وإنما قالوا : إنها من أوائل السور نزولا « 3 » .
والحق في سبب نزول « والضحى » هو ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن جندب « 4 » بن سفيان البجلي قال : « اشتكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يقم ليلة ، أو ليلتين ، أو ثلاثا ، فجاءت امرأة « 5 » فقالت : يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك « 6 » منذ ليلتين أو ثلاثا ، فأنزل اللّه عز وجل :
وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى . . .
.
وعلى هذا فتكون السورة نزلت في فترة أخرى غير هذه الفترة التي كانت بعد ابتداء الوحي ، فإن تلك دامت أكثر من ذلك كما ذكرت انفا ، وأما هذه فلم تكن أكثر من ليلتين أو ثلاث ، فاختلطتا واستبهمتا على بعض العلماء « 7 » ، فكن على بيّنة من هذا التحقيق ، وشدّ عليه بيديك .
هامش
( 1 ) هذا رأي ابن إسحاق ، والذي أراه أن يكون المراد جميع النعم من النبوة وغيرها ، أثناء الدعوة سرّا وبعدها .
( 2 ) سيرة ابن هشام ج 1 ص 241 ، 243 .
( 3 ) الإتقان في علوم القران ج 1 ص 10 .
( 4 ) بضم الجيم ، وسكون النون ، وضم الدال .
( 5 ) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب .
( 6 ) بكسر الراء في الماضي ، وفتحها في المضارع .
( 7 ) البداية والنهاية ج 2 ص 17 ؛ فتح الباري ج 8 « سورة الضحى » .