اللّه عزّ ذكره له كيدا مستبينا ، إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الّذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه ، ولئن كان يوسف ألقي في الجبّ فلقد حبس محمّد نفسه مخافة عدوه في الغار حتّى قال لصاحبه
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
« 1 » ومدحه إليه بذلك في كتابه . . .
قال له اليهودي : فان موسى قد أعطى إليه البيضاء ، فهل فعل بمحمّد شيئا من هذا ؟
قال له عليّ عليه السّلام : لقد كان كذلك ، ومحمّد صلّى اللّه عليه واله وسلّم أعطى ما هو أفضل من هذا ، إنّ نورا كان يضيء عن يمينه حيثما جلس ، وعن يساره حيثما جلس ، وكان يراه الناس كلّهم .
قال له اليهودي : فإنّ هذا داود عليه السّلام بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال معه لخوفه .
قال له عليّ عليه السّلام : لقد كان كذلك ، ومحمّد صلّى اللّه عليه واله وسلّم أعطي ما هو أفضل من هذا ، إنّه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدة البكاء ، وقد آمنه اللّه عزّ وجلّ من عقابه ، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه فيكون إماما لمن اقتدى به ، ولقد قام صلّى اللّه عليه واله وسلّم عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه ، واصفرّ وجهه ، يقوم الليل أجمع حتّى عوتب في ذلك ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
« 2 » بل لتسعد به ، ولقد كان يبكي حتّى يغشى عليه ، فقيل له : يا رسول اللّه ، أليس اللّه غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال : بلى ، أفلا أكون عبدا شكورا . . .
ولقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يدعو بالشّجرة فتجيبه ، وتكلّمه البهيمة ،
هامش
( 1 ) - التوبة : 9 / 40 .
( 2 ) - طه : 20 / 1 و 2 .