. . . . . . . . . .
شرح
أحدهما : أنه علم أنهم لا يفعلون ، فأخبر بما علم . الثاني : أنهم لو عبدوه على الوجه الذي قالوه ما كانت عبادة ، ولا يسمى عابدا للّه من عبده سنة ، وعبد غيره أخرى ، فإن قيل : كيف قال :وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُولم يقل : من أعبد ، وقد قال أهل العربية : إن ما تقع على ما لا يعقل ، فكيف عبّر بها عن الباري تعالى ؟
فالجواب : أنا قد ذكرنا فيما قبل أن ما قد تقع على من يعقل بقرينة ، فهذا أوان ذكرها ، وتلك القرينة : الإبهام والمبالغة في التعظيم والتفخيم ، وهي في معنى الإبهام « 1 » لأن من جلّت عظمته ، حتى خرجت عن الحصر ، وعجزت الأفهام عن كنه ذاته ، وجب أن يقال فيه : هو ما هو كقول العرب : سبحان ما سبّح الرعد بحمده ، ومنه قوله :وَالسَّماءِ وَما بَناها« 2 » فليس كونه عالما مما يوجب له من التعظيم ما يوجب له أنه بنى السماوات ، ودحا الأرض ، فكان المعنى : إنه
هامش
( 1 ) ما : اسم مبهم غاية الإبهام حتى إنها تقع على كل شئ ، وتقع على ما ليس بشئ . فيجوز أن تقول : إن اللّه يعلم ما كان ، وما لم يكن
( 2 ) ويقول ابن القيم عن هذا : « لأن القسم تعظيم للمقسم به ، واستحقاقه للتعظيم من حيث ما أظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء . ومن حيث سواها وزينها بحكمته فاستحق التعظيم . وثبت قدرته ، فلو قال : ومن بناها لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه القسم من حيث اقتدر على بنائها ، ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه ، دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المبئة عن حكمته ، المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته ، وكذلك قولهم : سبحان ما يسبح الرعد بحمده ، لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم ، والمسبح به لا محالة أعظم ، فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه ، لا من حيث كان يعلم ، ولا تقل يعقل في هذا الموضع » .