أما المسلمون ، فما أصعب موقفهم ! . . .
لم يكن أحد منهم يشك في دخول مكة ، فانهارت آمالهم أثناء المفاوضات .
ولم يكن أحد يفهم ما يبرّر الهدنة ، فشاهدوا هذه الهدنة تصبح أمرا مفروغا منه .
وكانت عقيدتهم تطغى على كل شيء سواها ، فوجدوا إخوانهم المستضعفين من المسلمين يردّون إلى المشركين ليفتنوهم عن دينهم .
ولو كان المسلمون ضعفاء أو يشعرون بالضعف لهان الخطب ، ولكنهم كانوا أقوياء ماديا ومعنويا ، فكيف يقتنعون بالهدنة في شكلها وأسلوبها الذي كان ؟
بينما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يكتب عقد الهدنة ، جاء إلى المسلمين أبو جندل - وهو ابن سهيل بن عمرو ممثل قريش في المفاوضات - يرسف في الحديد ، فقد اعتنق الإسلام فلقي العذاب من أهله المشركين . فلما رأى سهيل ابنه ضرب وجهه وجعل يجرّه ليرده إلى قريش ، وأبو جندل يصيح بأعلى صوته : ( يا معشر المسلمين ، أأردّ إلى المشركين يفتنونني عن ديني ) ؟ !
ليس من السهل احتمال المسلمين لمثل هذا الموقف حينذاك . ولكنهم احتملوه صابرين ، على الرغم من بعض التذمر الخافت الذي كان يخالج بعض نفوس المسلمين ، والذي كان يثيره حرصهم الشديد على عزة الإسلام .
إن ضبط الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أعصابه أثناء المفاوضات وبعدها على الرغم من تذمر بعض المسلمين . وضبط المسلمين أعصابهم في مثل ذلك الموقف على الرغم من حنق بعضهم على المفاوضات والهدنة ، كل ذلك يدل على تحلي المسلمين حينذاك بالضبط المتين بشكل يدعو إلى الإعجاب الشديد .
الرسول القائد — صفحة 283
مساهمون: محمود شيت خطاب
ص٢٨٣