تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
الرّعدة ، وقال « هكذا » أو « نحوذا » « أو قريب من ذا » « 1 » . ومن المعلوم : أنّ ذاكرة العرب كانت قوية ، وكانوا يحفظون آلافا من الشعر ، وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص . ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوة قوة وحيوية . وقد مرن الصّحابة والتابعون على حفظ الأحاديث حتى بلغوا في ذلك شأوا بعيدا ، وكانوا إذا سمعوا حديثا وعوه ، وحفظوه كما يحفظ الصبيان سورة الفاتحة في هذه الأيام . والمحدّثون كانوا يحفظون ألوفا من أحاديث الرسول ؛ بل مئات الألوف ، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون ويحفظون ، لكنهم لا يبلغون منزلة الإجلال والإكرام بين العلماء وعند الناس إلا بما يخفونه من المرويات عن ظهر قلب ، ولذلك كانوا يخفون كراريسهم وصحائفهم عن الناس ويكتمونها ؛ لئلا يظنّ الناس بهم أنهم يعتمدون في علمهم على هذه الصحائف ، ولا يحفظون محتوياتها في صدورهم .

المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث ، والكلام على الحفظ والكتابة :

سادتي ! إنّ بعض المستشرقين ودعاة المسيحية - وفي مقدمتهم السر وليم ميوروغولد زيهير - أرادوا أن يشكّكوا الناس في رواية الحديث بما
هامش
- ورعا واحتراما لحديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال : « ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه ، قال : فما سمعته يقول بشيء قط « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » فلما كان ذات عشية قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » قال : فنكس ، قال : فنظرت إليه ، فهو قائم محللة أزرار قميصه ، قد اغرورقت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، قال : أو دون ذلك ، أو فوق ذلك ، أو قريبا من ذلك ، أو شبيها بذلك » ( سنن ابن ماجة ، ص 8 - الجزء الأول ) . ( 1 ) وقد غفل عن هذا بعض من تصدر للحديث من العصريين حيث عزا أحاديث كثيرة إلى مصادرها بغير لفظها ، زاعما أنها « ليست قرآنا نتعبد بلفظه . . . ! » . ينبغي لمن يروي حديثا بالمعنى أن يراعي جانب الاحتياط وذلك بأن يتبعه بعبارة : « أو كما قال » أو « نحو هذا » وما أشبه ذلك من الألفاظ ، فعل ذلك ابن مسعود ، وأنس وأبو الدرداء ، وغيرهم رضي اللّه عنهم . ( منهج النقد في علوم الحديث ) للأستاذ الدكتور نور الدين عتر - حفظه اللّه تعالى ونفع به - ص : 228 - 229 طبعة دار الفكر ، ( دمشق ) .