سادتي ! هذا اليوم هو اليوم الثاني لحفلتنا هذه . وليكن ما سلف في اليوم الأول على ذكر منكم . وخلاصة ما ذكرت أمس : أنّ ظلمات الأيام المقبلة لا تنجلي إلا بنور من مضى من طوائف المصلحين ؛ الذين أحسنوا إلى الإنسانية أيّ إحسان ، ولهم جميعا علينا الشكر الجميل ، ونخصّ منهم الأنبياء ، فإنّهم أسدوا إلى البشر من الجميل ما لم تسده طائفة من المصلحين ، فيجب علينا أن نضاعف الشكر لهم ، ونعترف بجميلهم ، وإحسانهم ؛ إذ أنّ كلّ واحد منهم قدّم لأمته من سيرته الطاهرة ، وخلقه العظيم ، وهديه العالي ما كانت به الأسوة الكاملة التي لا تتأتّى من غيره :
فمنهم من صبر على الرزايا ، والنوائب ، والآلام أعظم صبر وأكمله ، فكان أسوة للصّابرين في الضّراء والشّدة ، ومن سيرة بعضهم خلق الإيثار ، فكان إيثاره مثالا لأمته ، ومنهم من اختار مرضاة اللّه مقدّما نفسه قربانا وأضحية ، فكان المثل الأعلى لأمته في إيثار مرضاة اللّه حتّى على بقاء مهجته ، وحفظ حياته .
لقد ظهر للناس في سيرة الذين حملوا رسالات اللّه عند تبليغهم عقيدة التوحيد الإلهي ما كان موضع العجب من العزيمة ، والحميّة ، والتسليم لأمر اللّه ، والعفّة عن المنهيّات ، والزهد في زهرة الحياة الدّنيا ، وما كان ولا يزال مثلا أعلى في هذه الفضائل العظمى ، ومنارا للسائرين في ظلمات الحياة ، وكم من ظلمة في الحياة قد ضلّ بها من ضلّ ، ثم أتى على البشر زمان كان فيه بأشدّ الحاجة إلى الهادي الكامل يضيء له الطريق كلّه بقوله ، وعمله ، ويجلو الدّجى « 1 » - دجى العقائد ، والأعمال ، والأخلاق - بنور تعاليمه ، وضوء سيرته ، وجمال خلقه ، وكمال نفسه ، فتكون حياته نبراسا بأيدي الناس ، فمن اقتبس منه في يمينه سار في ظلمات الحياة آمنا مطمئنا ، لا يخاف الزلّة ، ولا يخشى العثرة حتى يبلغ غايته ، وإنّ ذلك
هامش
( 1 ) الدّجى : سواد الليل ، وظلمته .