تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
إذا كان له من يمثّله بعمله ، ويدعو إليه بأخلاقه وفضائله ، ويعرفه إلى الناس بالقدوة والأسوة ، فيقتدي الناس بدعاته من طريق العمل بعد العلم ، معجبين بسجايا هؤلاء الدّعاة ، معظمين لأخلاقهم ، مكرمين طهارة قلوبهم ، وزكاة نفوسهم ، وسجاحة أخلاقهم ، ورجاحة عقولهم ، وحصافة آرائهم ، وسداد أفكارهم . وأقصّ عليكم قصة : إنّ الباخرة ( كروكوديا ) التي ركبناها في عودتنا من مصر والحجاز في أوائل شهر رجب سنة 1342 ه ( شباط 1924 م ) اجتمعنا فيها عرضا بالدكتور طاغور « 1 » الشاعر الذائع الصيت ، وكان قافلا من سياحته في أمريكا ، فسأله بعض رفقته : « ما بال نحلة ( برهمو سماج ) « 2 » أخفقت في مساعيها ولم تنجح ، مع أنها أنصفت الأديان ، وجمعت الحسنات ، وسالمت جميع الملل ، ومن مبادئها وأصولها : أنّ الدّيانات كلّها على حق ، وأن جميع المصلحين من الأنبياء والرسل والهداة هم خيار الناس وصلحاؤهم ، ثم إنّها ليس فيها ما يخالف العقل أو يعارض المدنية الحاضرة أو يناوىء الفلسفة الحديثة ، وصاحب هذه النحلة قد راعى فيها الظروف الراهنة والشؤون المألوفة الآن ، ومع ذلك كلّه لم تنل من الفوز شيئا ، ولم يتح لها من النجاح قليل ولا كثير ؟ ! » وقد أحسن الشاعر في جوابه على هذا السؤال كلّ الإحسان ؛ إذ قال : « إنّ النّحلة لم يكن لها داعية يدعو الناس إليها بسيرته الكاملة ، وهديه العالي ، ولم يكن لها لسان يدعو مؤيدا بعمل يصدقه ، فتهوي إليه أفئدة الناس ، وتطمح إليه أبصارهم ، ويكون لهم من الدعاة أسوة يأتسون بها ، وقدوة يقتدون بها » . وكلام طاغور هذا يدلّ على أنّ الدّين لا ينجح ، ويعلو ، وينتشر إلا بسيرة النّبيّ الذي بعث به ، بما عرفه الناس عنه في شؤون حياته ، في أخلاقه ، وأعماله . وبالجملة : إنّ الجنس الإنسانيّ يحتاج أشدّ الحاجة - في بلوغه الكمال وسلوكه سبيل الرشاد - إلى هداة ودعاة طهرت
هامش
( 1 ) هو رابندرناته طاغور ، شاعر هندي ، يعدّ من أعلام الأدب العالمي ، نال جائزة نوبل ، امتاز شعره بروح التديّن والوطنية ، مات سنة 1941 م . ( 2 ) برهموسماج ، أي : طبقة البراهمة .
الرسالة المحمدية — صفحة 35 | سيد سليمان ندوى