تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وحصافة رأيه ، ورجاحة عقله ، ولكنّنا - والحقّ يقال - لم نجد رجلا اهتدى بدراسة فلسفة أرسطو ، أو وصل بها إلى السعادة المنشودة . وكذلك نرى في الكلّيات أفاضل من العلماء ، وفحول الأساتذة والمدرسين يعجب الطلبة فصيح كلامهم ، وبراعة بيانهم ، وبليغ حوارهم ، وعذب حديثهم ، وهم يؤثّرون فيهم بذلاقة ألسنتهم ، واتساق أفكارهم ، وترتيب معانيهم ، لكنّهم لا تعدو محاضراتهم جدران كلياتهم ، وقاعات محاضراتهم ، وإذا خرجوا منها أصبحوا كعامّة الناس ، لا يمتازون عليهم بعمل تتخذه الإنسانية مثالا يحتذى ، ولا بخلق يختلفون به عن غيرهم هديا وسمتا . لقد رأينا على مسرح العالم كثيرا من الملوك الجبابرة الذين حكموا العالم ، واستولوا على المماليك ، واستعبدوا الأمم . وكم من أرض عمروها ، ومدينة دمّروها ، وكم وضعوا شعوبا ، ورفعوا آخرين ، وكم سلبوا ، ومنحوا ، وضرّوا ، ونفعوا ، فكانوا في سيرتهم كما قال اللّه عزّ وجلّ على لسان ملكة سبأ :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
[ النمل : 34 ] . نعم إنّ السيوف البواتر في أيدي بعض الملوك قد قذفت الرّعب في قلوب المجرمين ، فكفّوا عن اقتراف الجرائم علانية ، وفي وضح النهار ، مستترين وراء مكامن الريب ، أو قابعين في بيوتهم . لكنّ سيوف الملوك عجزت عن أن تستلّ الرذائل من قلوب أهلها ، وأن تحسم مادة الشرّ في نفوسهم ، وأن تطهّر صدورهم من فساد السّرائر ، ذلك الفساد الذي يحمل أهله على ارتكاب المعاصي واقتراف السيئات . وأقصى ما يترتّب على رهبة المجرمين والمرجفين من سيف الملوك المسلط عليهم أن يسود الأمن والسّلام سبل البلاد ، وأسواق المدن ، وشوارعها ، وحاراتها ، أما إصلاح القلوب ، وتهذيب النفوس ؛ فمما يخرج عن سلطان السيف ، بعجز عن إرادة الملوك . بل الحق - والحقّ أحقّ أن يقال - أنّ رأس كلّ شرّ إنما نجم من قصور بعض الملوك . وإنّ كلّ فساد نبت نابته في فناء حصونهم ، بل في قصورهم نبعت عيون الفواحش والجرائم ، ومن حصونهم انفجرت ينابيع الظّلم والعدوان ، وعلى أيديهم تفاقم كلّ شرّ ،