تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨

إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

85 - الغذاء الأول للجنين بعد ولادته هو الرضاعة ، والرضاعة تكون من الأم ، لأن لبنها يسير مع نموه سيرا مطردا ، فكلما كبر الغلام في المهد كبرت دسامة اللبن ، حتى يستغنى بالغذاء ، ولذلك كانت الرضاعة من الأم أولى المطلوبات من الأمومة ، فقد قال تعالى فيما شرع من أحكام :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
« 1 » فكان بمقتضى الفطرة أن تكون امنة الأم الرؤم هي التي تتولى إرضاعه . ولكن كان لابد من وجود من يعينها بلبنه ، فقد أرضعته معها ثوبية وهي جارية لأبى لهب عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ناوأه العداوة لما بعث رسولا ورحمة للعالمين ، ولكن قد كان محبا لأخيه عبد الله ، ولابنه النبي الكريم محمد ، وكانت ثوبية أول من أعلم أبا لهب بولادة ابن أخيه محمد ، فأعتقها لهذه البشرى الكريمة ، وكان هذا له خيرا يحتسب ، ولكن أخفاه كفره ، وانضمامه إلى المخالفين المؤذين للنبي عليه الصلاة والسلام ، وضعفاء المؤمنين . أعانت ثوبية امنة في إرضاعه ، وقد أرضعت أيضا حمزة بن عبد المطلب ، وقد كان هذا سببا من الأسباب التي من أجلها طلب عبد المطلب لمحمد المراضع . وعلى ذلك نقول إن طلب المرضع للنبي عليه الصلاة والسلام من مراضع البادية له أسباب ثلاثة : أولها : عدم كفاية لبن أمه لتغذيته ، ولعل من بعض أسباب ذلك ما نالها من حزن دفين عميق صبرت عليه من غير تصبر ، وهو موت زوجها الحبيب الطيب ، ولم يزله ألم قريش كلها لوفاته وألم أبيه وألم إخوته ، وإن خففته فإن المشاركة في الأسى تخففه ولا تزيله . ثانيها : أنه كان من عادة أشراف قريش أن يعطوا أولادهم للمراضع في البادية ، ولا يرضع نساؤهم ، كما هو ظاهر الان في كبراء الحضر أو ذوو اليسار فيهم ، فإنه لا يرضع نساؤهم الأولاد ، وإن كانوا لا يرسلونهم إلى الريف . ثالثها : أن الغلمان إذا رضعوا في البادية اكتسبوا غذاء طيبا ، وهواء ليس معكرا بما في جو المدر ، فأهل الوبر أقرب إلى الهواء النقى النظيف من أهل المدر .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 233 .