ولذا ظهر الفرق بين القران الكريم وبين الحديث بنوعيه القدسي والنبوي لزاما واقعيا وشرعيا ؛ إذ إن هذين للخاصة ، بخلاف القران المحفوظ كليا في صدور عدد كبير من الأمة ، المكتوب في المصاحف المتلو في المحاريب ، وفي سائر الأمكنة التي تسوغ قراءته فيها اناء الليل وأطراف النهار .
قاعدة في حفظ القران في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم :
بالنظر إلى الطبيعة الأصلية لرسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهي تبليغ الوحي السماوي المنزل ( القران الكريم ) ، وبالنظر إلى تفصيل وظائف النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وبيانها ، وبالتأمل في واقع الصحابة رضي اللّه عنهم ، وبعيدا عن اتهام الكاتب بالعاطفية المفرطة ، أو بالتأثر العاطفي الديني فإنه يمكن إرساء القاعدة التالية :
الأصل في الصحابي المهاجر ( المتمدن ) - وهو الملازم المقيم في المدينة الذي حرم عليه التعرب بعد الهجرة - أن يكون حافظا للقران ، ولكن قد يتلقنه كله أو بعضه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم مباشرة ، وقد يتلقن البعض من النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبقيته من غيره من الصحابة رضي اللّه عنهم ، وقد يتلقنه كله من الصحابة أمثاله ، ومما يستدل به في طريق ذلك :
1 - كان حفظ القران بديهيا بالنسبة للصحابة الكرام :
أما أولا فللطبيعة العربية في ذلك الوقت فهم أميون :
ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه خصوصا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار ، وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القران وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم ، وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم ، وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم ، ثم جاء القران فبهرهم بقوة بيانه ، وأخذ عليهم مشاعرهم