تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
محمد [ 1 ] بن أيدمر قال : كنت في عسكر الدّويدار الصّغير لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربيّ من مدينة السّلام ، في واقعتها العظمى سنة ستّ وخمسين وستّمائة قال : فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل ، فكان الفارس منّا يخرج إلى المبارزة ، وتحته ، فرس عربيّ وعليه سلاح تامّ كأنّه وفرسه الجبل العظيم ، ثم يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنه حمار ، وفي يده رمح كأنه المغزل ، وليس عليه كسوة ولا سلاح فيضحك منه كلّ من رآه . ثم ما تمّ النهار حتّى كانت لهم الكرّة [ 2 ] فكسرونا كسرة عظيمة كانت مفتاح الشرّ ثم كان من الأمر ما كان . ثم تردّدت الرسل بين رستم وسعد ، فكان البدويّ يأتي إلى باب رستم وهو جالس على سرير الذهب ، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذّهب ، وفرش له الفرش المنسوج بالذهب وقد لبس العجم التيجان وأظهروا زينتهم وأقاموا الفيلة في حواشي المجلس . فيجيء البدويّ ، وفي يده رمحه ، وهو متقلّد سيفه متنكّب قوسه فيربط فرسه قريبا من سرير رستم ، فيصيح العجم عليه ويهمّون بمنعه فيمنعهم رستم ثم يستدنيه [ 3 ] فيمشي إليه متكئا على رمحه يطأ به ذلك الفراش وتلك الوسائد فيخرّقها بزج رمحه وهم ينظرون . فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث ، فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكما وأجوبة تروعه وتهوله . فمن ذلك أنّ سعدا - رضي الله عنه - كان يبعث في كلّ مرّة رسولا . فقال رستم لبعض من أرسل إليه : لم لم يبعثوا إلينا صاحبنا بالأمس ؟ قال : لأنّ أميرنا يعدل بيننا في الشدّة والرّخاء . وقال يوما لآخر : ما هذا المغزل الّذي في يدك ؟ يعني رمحه فقال : إنّ الجمرة لا يضرّها قصرها ، وقال مرّة أخرى لآخر : ما بال سيفك أراه رثّا ؟ فقال : إنه خلق المغمد حديد المضرب . فراع رستم ما رأى من أمثال هذا وقال لأصحابه : انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقا أو
هامش
[ 1 ] فلك الدين محمّد بن أيدمر : من معارف ابن طباطبا ومعاصريه ، ولم تترجم له المراجع المعروفة . [ 2 ] كانت لهم الكرّة : كناية عن الانتصار . [ 3 ] يستدنيه : يدعوه ليدنو منه .